أفكار ومواقفرأي في حياتنا

ملعقة وأشياء ثمينة!

خرجتْ عاملة المنزل في موعدها الثابت، وتركت لي المفتاح تحت السجّادة الجلديّة. كنتُ عائداً بنصف مزاج، فأردتُ أنْ أكمله بكوب الشاي والقرفة. فتحتُ رفّ الأواني، حيث الشُّوَك والسكاكين والملاعق الكبيرة والصغيرة مصفوفة بنظام جماليّ مثل الطابور الصباحي لمدرسة ابتدائية وإعدادية. تناولتُ ملعقة صغيرة، ثمّ أعدتُها لأتأكّد مما خشيته: كان الصفُّ ناقصاً ملعقة، لا أذكر أنّها سقطت من الشرفة، حسمتُ الأمر فوراً بأنّ العاملة ربّما احتاجتها، فسامحتُها، واستعوَضْت!
استعدتُ المفتاح من تحت السجادة الجلدية. ذهبتُ إلى رفّ الأواني، تناولتُ ملعقة كبيرة للغداء. حدث ما خشيته، كانت ملعقة مفقودة، لا أذكر أنّها بقيت في فرش النايلون الذي وقعت عليه مجزرة المندي واللحم المدفون. يبدو أن عاملة المنزل احتاجتها أيضاً. تقبّلتُ الأمر بثقل شديد، لكنّي سامحتها واستعوضت. البيت صغير، علبة كبريت ملحقة بعلبة سجائر، لذا فإنّ أيّ عملية “سرقة” أشعر بها، مثل فروة الرأس بعد الحلاقة، ولأنّ لا شيء ثميناً لديّ فقد أغمضتُ عيناً، وغمزتُ بالثانية!
افتقدتُ هاتفاً قديماً اشتريتُه قبل أربعة إصدارات.. لا أذكر أنّي أهديته للحارس، لذا فإن عاملة المنزل ربّما أخذته بدلاً من هاتفها المغلق غالباً بسبب نفاد الشحن. لو طلبته منّي كنتُ سأعطيها إياه بخاطر طيّب. تذمّرتُ لكنّي غفرتُ لها، فإنْ اتهمتُها ربّما تنكرُ وتخشى اكتشافي سرقات أخرى، فتستنكف عن المجيء، وأعودُ لمعاناة البحث عن عاملة جديدة، خصوصاً أنّ لي تجارب بالغة السوء، ووحدها هذه العاملة التي استمرّت معي ثلاث سنوات من دون أن تطلب مني زيادة في الأجر.. ولماذا تطلب وهي تسرق؟!
فقدتُ قلماً من ثلاثة أقلام، وقميصاً داخلياً، وفردتين مختلفتين من الجوارب، وقرطاً نسيته امرأة نسيتُها، فاحتسبتُ. استعدتُ المفتاح من تحت السجادة الجلدية، دخلتُ البيت، أقصد علبة السجائر ثمّ علبة الكبريت، تفقدتُ ما بقي من أشياء كنتُ أمنحها قيماً اعتبارية: رواية موقعة من كاتبها الشاعر والمسرحي، شريط أغنيات قصيرة من حقبة التسعينيات، منفضة سجائر من أعمال “الأفغاني” أهدتني إياها فتاة ظنت أنّي رجل مدخّن، كوب شاي تاريخي، هو آخر ما تبقى من هدايا عرس أمّي.
أرسلتُ لعاملة المنزل رسالة هذا نصُّها “عزيزتي ماريا. شكراً لخدماتك الثمينة. كنتِ تجعلين بيتي مثل جناح في مستشفى خاص، وقد كنتِ سبباً لشعوري بالراحة والخفة عندما كنتُ أخرج من علبة الكبريت إلى علبة السجائر. خدماتك العظيمة محل تقدير واحترام كبيرين، لكنّي أشعر برغبة في الاعتماد على نفسي، ثمّ إن الطبيبَ أخبرني أنّ أعمال المنزل مفيدة لخفض الكولسترول، لذا سأكونُ منذ اليوم ربّ البيت وخادمه”.
دخلتُ البيت من دون أن أنحني لالتقاط المفتاح من تحت السجّادة الجلدية، كنتُ عائداً بنصف مزاج فأردتُ أن أكمله بكوب من الشاي والقرفة. لم أجد أيّ ملعقة صغيرة، فقد بقي من صفّ الأواني ملعقتان كبيرتان وشوكتان؛ واحدة كبيرة وأخرى صغيرة. ماريا لم تدخل البيت منذ شهر، والأشياء الثمينة وغير الثمينة ما تزال تتناقص كأن هناك جرذاناً تأكل المعادن. البيت أصبح قذراً مثل قبو في مستشفى حكومي، وفوضوياً مثل غرفة ألعاب الأطفال، وناقصاً.. غفرتُ لماريا وأرسلتُ لها رسالة هذا نصها “عزيزتي أرجوك عودي إلى البيت، فقد شفيتُ من الكولسترول لكنّي قد أصاب بالكوليرا!”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock