أفكار ومواقف

ملف يختبر قدرة الرئيس وحكومته

تثور عاصفة من التساؤلات في الأردن حول أسعار الأدوية، والواضح أن هناك صراعا بين جهات عدة، حول الأدوية وأسعارها، سواء أسعار الأدوية المحلية أو تلك المستوردة.
نماذج كثيرة تم الإعلان عنها لبعض أنواع الأدوية تباع في الأردن بشكل مرتفع، مقارنة بتركيا ومصر وسورية، بما يثبت أن هناك ربحا كبيرا يتجاوز المنطق، فيما المعنيون يحاولون تبرير هذه الارتفاعات بوسائل مختلفة، لها علاقة بأسعار الشركات الأجنبية، أو سبب رخص الدواء الأردني خارج الأردن، مقارنة بداخل الأردن. والواضح أن الصراع يرتبط فعليا بربح المستودعات أو الوكلاء، والمعايير التي تحدد استيراد هذا الدواء أو حجبه عن السوق المحلية، إضافة إلى ما يمكن اعتباره وجود شبكة دوائية متضامنة مع بعضها البعض، ولها نفوذها وامتدادها وتتجنب خفض أسعار الأدوية، لغايات الربح، بعد أن ثبت أن القصة مالية فقط، ولا علاقة لها بأي جانب إنساني.
هذا الواقع يأخذنا إلى خلاصات متعددة، أولها اين دور الحكومات طوال السنوات بشأن أسعار الأدوية، فوق الضرائب المفروضة عليها، ولماذا تجنبت اغلب الحكومات الدخول الى هذا الملف الحساس الذي وصل فيه الأمر في بعض الحالات إلى تهديد متنفذين بوقف استيراد بعض أنواع الأدوية، ولو كانت هناك إرادة سياسية، وقانونية لتمت معاقبة كل من يهدد بذلك.
من جانب آخر، لا نريد ان تختلط الحقائق بالمشاعر، وبحيث يتم شن حملة ظالمة على مستوردي الدواء أو منتجيه أو المستودعات، لأننا وسط هذه الأجواء قد نكتشف ان القضية تحولت الى مجرد غضب وغل أعمى على صناعة الدواء في الأردن، او على القطاعات التي تستورد الدواء أو توزعه أو تبيعه، وبهذا المعنى علينا أن نكون حساسين جدا، حتى لا تختلط الأمور، فيتم ظلم هذا القطاع الحساس، وبهذا المعنى نريد جهة متخصصة وخبيرة، قادرة على اصدار قائمة بأسماء الاف أنواع الادوية واسعارها هنا، ومقارنتها بأسعار تركيا، مثلا، او مصر، أو أي بلد آخر، وتبرير فروقات الأسعار، واذا ما كانت الفروقات ترتبط بقضايا أخرى، ام بمجرد رغبات من الذين يعملون في هذا القطاع في الأردن، لغايات المزيد من الربح.
حكومة د. عمر الرزاز مطالبة بفتح هذا الملف والوصول إلى حلول بشأنه، وإعادة الأسعار إلى رشدها، اذ لا يعقل أن تتفرج على هذا الملف وتتركه دون تدخل وبشكل واسع، وبما يضمن التخفيف عن المريض الأردني، وبنفس الوقت لا يتم التسبب بأضرار لقطاع الأدوية في الأردن، انتاجا أو استيرادا، لكن في كل الأحوال لابد من عقلنة الأسعار، وعدم ترك الدواء لمجرد التجارة دون حدود، وكأن البلد غابة من الفوضى، لا يستطيع أحد وضع حد لاحد فيها، وبقسوة، أيضا، لكل من يلوح بهذه اللعبة الخطيرة، التي تقترب من حد الشروع بالقتل، خصوصا التهديد بوقف استيراد بعض أنواع الأدوية!
برغم أن هناك أدوية هنا أغلى بكثير من مثيلاتها في دول قريبة، إلا أن هناك أدوية هنا ارخص بكثير من مثيلاتها في دول ثانية، وهذا يعني أن هناك حالة من التشويش، ولا ينهي هذه القضية إلا التدخل الرسمي، لمراجعة كل ملف الأدوية المصنعة محليا والمستوردة، وأيضا ملف المستلزمات الطبية، وكلفتها المرتفعة، وضرورة الغاء كل أنواع الضرائب الرسمية أيضا على الأدوية المحلية والمستوردة، فهي ضرائب غير أخلاقية، ولا يجوز أساسا فرضها، وتتساوى أي حكومة تفرض ضريبة على الدواء، مع التاجر الجشع الذي لا تهمه سوى أرباحه التي يتم تكديسها، وبهذا المعنى تصير المعالجة مطلوبة من كل الأطراف، بما في ذلك الحكومة التي عليها ان تعفي الادوية من الضرائب، وان تقدم لنا وجها أخلاقيا وانسانيا، قبل محاسبتها للاخرين أيضا.
هذا الملف اختبار لحكومة الرزاز، وربما اذا افلحت في معالجته بحيث لا يتضرر المواطن، ولا مصنع الأدوية ولا الوكيل ولا الموزع، تكون قد حققت امرا عظيما، وهو أيضا اختبار لقدرة الحكومة على اكتشاف عالم آخر سري، لا نراه في هذا البلد، بشأن الأدوية وأسعارها، وكيفية إدارة هذا العالم، طوال السنين الفائتة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock