أفكار ومواقفرأي اقتصادي

ممكِّنات استقرار ومُضَاعِف الاقتصاد

الاستقرار النقدي من أهم مقاييس الاستقرار الاقتصادي للدول، وهو معبِّر عن قوة اقتصادها وعملتها وتجارتها الخارجية. وضمن هذا المقياس يمكن القول بعدالة إن المؤشرات الرقمية الكلية في الأردن تؤكد أن الاقتصاد من القوة والاستقرار بما يعزز التوجه نحو الخروج تدريجياً من مرحلة التباطؤ وعدم الاستقرار.
ففي مجال الاستقرار النقدي، تؤكد المؤشرات الكلية أن قوة حقيقية يتمتع بها ذلك الاستقرار باحتياطيات أجنبية تكفي لما يزيد على سبعة أشهر من الواردات، في حين أن مؤشر الاستقرار العالمي يتطلب احتياطيات تكفي لثلاثة أشهر فقط. ويعزز ذلك رصيد من الاحتياطيات الأجنبية الشاملة يتجاوز 13 مليار دولار.
وفي السياق نفسه، فإن هناك ممكِّنات استقرار نقدي أخرى، تمثلت في استقرار سعر الصرف، وقوة الدينار، يُعززها النمو النسبي الجيد في إيرادات السياحة، وبنمو جوهري خلال الأشهر الأولى من هذا العام تجاوز 5 %، وكذلك النمو الملموس في إيرادات الصادرات، وخاصة الصادرات الوطنية إلى المنطقة، وبنسبة تصل إلى نحو 11 %، إضافة إلى الزيادة الملحوظة في تحويلات العاملين في الخارج وبنسبة وصلت إلى نحو 4 % في الربع الأول من العام الحالي، والتراجع الملحوظ في العجز التجاري بنحو ثلاث نقاط مئوية، وبنسبة تحسن تصل إلى نحو 33 % عن العام الماضي، وكان من الطبيعي أن تكون نتيجة ذلك كله انخفاض النزوع إلى الدولار مقابل الدينار، بل والعودة إلى العملة الوطنية، وهو ما انعكس بتراجع أرصدة الدولار مقابل الدينار، أو ما يسمى بالدولرة، بنسبة تتجاوز 21 % منذ نهاية العام الماضي وحتى الفترة الماضية من العام الحالي.
بقي القول هنا إن من أهم ممكِّنات الاستقرار الاقتصادي الكلي للدول استقرار وقوة الجهاز المصرفي، وفي الحالة الأردنية فإن الجهاز المصرفي، وفقاً للبيانات والمؤشرات المصرفية العالمية كافة، يعد من أقوى الأنظمة المصرفية من حيث اختبارات الضغط المعروفة، أو من حيث مستويات كفاية رأس المال، والتي تتجاوز ما تفرضه المؤشرات المصرفية العالمية بخمس نقاط مئوية.
وقد توجهت الحكومة في ظل الشعور العام بالأوضاع الإيجابية القائمة نحو اتخاذ حزمة من الإجراءات المالية التي من شأنها بلا شك تنشيط النمو الاقتصادي عبر تنشيط مستوى الطلب الكلي نظراً لما تعكسه تلك الحزمة من إجراءات على مستويات إنفاق الأفراد الاستهلاكي في الاقتصاد.
وهو أمر يتعزز في النظرية الاقتصادية عبر ما يسمى “أثر المُضَاعِف الكلي للاقتصاد”، والذي يشير إلى أن كل زيادة في الإنفاق على الاقتصاد تترك أثراً مضاعفاً على الناتج المحلي، عبر دورة النقود بين الفاعليين الاقتصاديين من مستهلكين ومنتجين ووسطاء. والمحصلة بالضرورة هي تحقيق نمو اقتصادي أفضل.
سياسات التحفيز التي اتبعتها الحكومة من شأنها أن تحقن الاقتصاد بنحو 400 مليون دينار، وفق منظومة من دفع المتأخرات المالية للمقاولين، والمطالبات الطبية، وكذلك تأجيل رفع أسعار المشتقات النفطية، رغم ارتفاع الأسعار العالمية للنفط. إن محصلة حقن الاقتصاد الوطني بهذه المبالغ تعني من الناحية العملية زيادة مستوى الإنفاق الكلي في الاقتصاد، وبالتالي ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، بما لا يقل عن مليار دينار، إن افترضنا أن مضاعف الاقتصاد الكلي يتراوح بين 2 و2.5، وهو أقل ما يمكن افتراضه في الحالة الأردنية، وفق حسابات المعادلة الاقتصادية للميل الحدي للاستهلاك في البلاد. المحصلة أننا أمام قرارات ستنعكس بشكل كبير على الاقتصاد الوطني ولن يقل أثرها المباشر عن نمو بنحو نقطة مئوية واحدة عما سبق تحقيقه، وهو ما يعني إمكانية تحقيق الاقتصاد لنمو حقيقي قد يلامس 3 % لهذا العام، شريطة الاستمرار في سياسات تحفيز الاقتصاد، وتخفيف العبء على المستهلك والتاجر والصانع، وسياسات التيسير الكمي بشكل عام. وكذلك الإصرار على حزمة تحفيز وجذب الاستثمارات التي بدأتها الحكومة بجدية مسبقاً.
الآثار الإيجابية للحزمة الكلية للتحفيز والتيسير المالي وتنشيط الطلب الاستهلاكي ستؤتي أكلها في الاقتصاد، وبالتالي يجب أن تشجع الحكومة على الاستمرار بالتوجه نحو تنشيط الاقتصاد والتوقف تماماً عن أي تفكير له علاقة بزيادة الضرائب، أو الرسوم العامة، وقناعتي أن سياسات التحفيز السابقة ستؤدي إلى زيادة إيرادات الحكومة، ولن تخفضها، فكل قرش يصرفه الأفراد، يتمخض عنه ضريبة مبيعات، ورسوم، وإيرادات عامة أخرى. سياسات التحفيز حتى نهاية العام، ستؤدي إلى المزيد من النمو الاقتصادي، والمزيد من التحسن في الوضع الاقتصادي للمواطن وللمالية العامة على حد سواء، والأيام ستثبت ذلك بلا شك.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock