أفكار ومواقف

مناطق عازلة؟!

في وقت مبكر، مع تدفق اللاجئين السوريين بغزارة، وظهور “داعش” و”جبهة النصرة” ومليشيات متطرفة أخذت مكان الجيش الحر، ومسحت الحراك الشعبي الوطني والديمقراطي من أجل التغيير السلمي في سورية، أيدت من جهتي إنشاء مناطق آمنة على حدودنا تحت حماية دولية، تستوعب اللاجئين السوريين، ويُمنع فيها حمل السلاح على أي طرف سوري؛ ويتاح العمل السياسي السلمي داخلها؛ ويمكن لمؤسسات الدولة السورية أن تعمل فيها لتقديم الخدمات وتسيير أمور المواطنين.
الموقف الدولي والإقليمي لم يكونا ناضجين أو جاهزين للفكرة، وبقيت تتدحرج جانبا مع تدهور الوضع في سورية وتحوله إلى حرب أهلية شاملة، تأكل الأخضر واليابس، من دون أن يلوح أي احتمال لنصر نهائي لأي طرف. وبالمناسبة، لم تكن هزيمة النظام تعني انتهاء الحرب، بل الدخول في حرب جديدة لا تقل فظاعة بين الجماعات المختلفة المهيمنة في الميدان، على غرار ما حصل في أفعانستان بعد إسقاط النظام الموالي للسوفييت، حتى دخول حركة “طالبان” بتجهيز كامل ودعم من باكستان.
في وقت مبكر، لم أكن أرى مخرجا محتملا من هذا المسار الدموي الكارثي إلا بوجود تدخل دولي منسق الأهداف، وبأجندة عربية نظيفة، تريد ضمان مستقبل سورية الوطني، ووحدة أراضيها وشعبها، في إطار حل سياسي ديمقراطي. والمدخل لتمكين هذا الدور هو إنشاء مناطق آمنة تتوسع قدر الإمكان؛ محرمة على الفصائل المتطرفة وعلى قوات النظام، وتكون ملجأ للسوريين الهاربين من جحيم الحرب، وقاعدة للوجود السياسي للقوى الوطنية السلمية تعمل منه، وليس من فنادق العواصم التي تحمل كل منها أجندة خاصة، وتقوم بالإنفاق على إفساد القيادات وعزلها عن الشعب؛ قاعدة للتفاوض من أجل حل سياسي توافقي لا بديل عنه مع النظام، من أجل دحر قوى الإرهاب والتطرف، وضمان مستقبل سورية ووحدتها.
يبدو أن الأجواء الدولية تقترب الآن من فكرة المناطق العازلة (والتي أفضل دائما تسميتها الآمنة). لكن لا أضمن أنها موجهة ضمن الأجندة الوطنية المذكورة آنفا. ولذلك، نؤيد الفكرة بتحفظ، لحين اتضاح مضامينها وآلياتها، إذا كانت فعلا قيد الطبخ. ويعود التحفظ الرئيس على وجود هذه المنطقة في الشمال، عند الجانب التركي الذي لم تكن سياسته نزيهة تجاه سورية، وهناك شكوك شبه مؤكدة أنه قدم الدعم والتسهيلات لتنظيم “داعش”، قبل أن ينقلب عليه مؤخرا. وهو انقلاب لا يمكن الثقة أنه حقيقي وكامل، مع أننا نأمل ذلك بقوة. والهدف التركي الثاني هو، بالطبع، منع قيام كيان كردي في الشمال. ويمكن التحفظ بقوة، بل وضع “فيتو” على دخول قوات تركية إلى شمال سورية. لكن من المشكوك فيه أن تتوفر قوة دولية مشتركة من الأمم المتحدة للقيام بهذه المهمة.
فقط من الجنوب يمكن الثقة بإقامة منطقة آمنة بأفق وطني مأمون لمصلحة الوطن والشعب السوريين، وحيث لا يوجد أجندة مشبوهة ولا أهداف توسعية. وهو الدور الذي يمكن أن يضطلع به الأردن بدعم عربي ودولي. لكن كما سارت الأمور حتى الساعة، فهناك تردد شديد، والرأي العام لا يبدو مؤيدا لأي “تورط”، بينما النخب السياسية تبدو في غالبها معارضة بشدّة، وبعضها يشكك، رغم أن أحدا لا يقدم أي بديل مقنع لمساعدة الشعب السوري وفتح منفذ إيجابي بديل للصراع الدموي المحتدم بين النظام السوري والقوى الظلامية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ابناؤكم أولا
    فقط للتنويه القوى الظلامية هي ربيبة النظام السوري و نظام الملالي و حزب إيران. لولا هذا الثالوث الإجرامي ما وجدت داعش و أخواتها.

    لا لتوريطنا في حروب الآخرين الاهلية؛ و أن لم يكن بدا من ذلك فابناؤكم معالي النواب و أصحاب المعالي يسيروا للحرب و باقي الشعب من خلفهم.

انتخابات 2020
40 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock