تحليل إقتصادي

منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى.. وقفة تأمل

د. إياد أبو حلتم*

بعد أكثر من 14 عاما على دخول اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى حيز التنفيذ في 2005 وبدء التحرير الكلي لانسياب البضائع ما بين 18 دولة عربية، ما يزال الأثر الاقتصادي المنشود غير ملموس على أرض الواقع. ومع انسحاب عدد من الدول العربية أو تجميدها لتنفيذ الاتفاقية مثل الجزائر والعراق والسودان واليمن، ووجود عدد من الدول التي تضع معوقات إدارية غير جمركية على وارداتها مثل مصر والسعودية، ووجود أربع دول عربية لم توقع على الاتفاقية وهي موريتانيا والصومال وجيبوتي وجزر القمر، ولبنان التي تدرس حكومتها حالياً وبشكل جدي تجميد اتفاقية منظمة التجارة العربية الحرة على عدد من القوائم السلعية وذلك بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة جداً التي يمر بها، يظهر الكثير من الخلل والسلبيات التي لم ينجح المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية في تجاوزها.
ومع العلم أنه في الأردن لا ينكر الصناعيون وجود الكثير من الإيجابيات لهذه الاتفاقية التي ساعدت الصناعة الأردنية على زيادة صادراتها الى محيطها العربي مستفيدا من الإعفاءات الجمركية والتسهيلات في أنظمة الاستيراد.
ولكن يبدو، مع بداية انتشار الأنظمة الحمائية الاقتصادية والتي بدأت تحل تدريجيا محل أنظمة الانفتاح والعولمة وسهولة انسياب البضائع ما بين الدول والتي سادت في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي، تبرز الكثير من المعوقات الإدارية غير الجمركية، والتعقيدات في أنظمة الاستيراد التي تضعها بعض الدول العربية أمام البضائع المستوردة وخصوصاً العربية منها، وهذا ما يفسر تواضع حجم التبادل التجاري بين الدول العربية والذي بلغ فقط 180 مليار دولار فقط بنسبة لا تزيد على 10 % من إجمالي حجم التبادل التجاري لهذه الدول.
لكن في المقابل، ما يزال الأردن يطبق الاتفاقية بالكامل وبكل تفانٍ، وهذا موقف نابع من الثوابت والمبادئ التي يتحلى بها الأردن تجاه الأشقاء العرب واحترامه لالتزاماته والاتفاقيات التي يوقع عليها، بالرغم من صغر اقتصاده النسبي، وارتفاع حساسيته، لحالات الإغراق لبعض البضائع المستوردة من بعض الدول العربية، والتي تستفيد من انخفاض كلفة الطاقة لديها أو انخفاض قيمة عملتها أو منح صناعتها حوافز مادية عند التصدير، ناهيك عن الإعفاءات الجمركية الكاملة التي يمنحها الأردن لهذه البضائع عند استيرادها تطبيقاً لاتفاقية منظمة التجارة العربية الحرة والتي قد تصل إلى ما بين 20 % و30 % من قيمة البضاعة واصلة للمراكز الجمركية الأردنية.
وتاليا أعرض بعض النقاط التي تبين حجم التبادل التجاري والعجز فيه ما بين الأردن والدول العربية:
– إجمالي حجم الصادرات الأردنية للدول العربية بلغ العام 2018 (2265) مليون دينار أردني يشكل ما نسبته 41 % من إجمالي حجم الصادرات الأردنية والذي بلغ 5505 ملايين دينار.
– إجمالي حجم المستوردات الأردنية من الدول العربية بلغ العام 2018 (3948) مليون دينار يشكل ما نسبته 27 % من إجمالي المستوردات للأردن والذي بلغ 14426 مليون دينار أردني.
– بلغ إجمالي العجز في الميزان التجاري ما بين الأردن والدول العربية العام 2018 (1683) مليون دينار أردني بما نسبته 19 % من إجمالي العجز في الميزان التجاري والذي بلغ 8921 مليون دينار أردني.
– الدول العربية التي تفرض رسوماً جمركية مرتفعة نسبياً على وارداتها مثل مصر تضع عوائق إدارية لانسياب البضائع لأسواقها ومنها البضائع الأردنية، والدول العربية ذات الرسوم الجمركية المنخفضة من دول الخليج عدا السعودية (5 % رسوما جمركية) وتطبق الاتفاقية، نجد أن صادراتنا لها قليلة نسبياً، وهذا يفسر العجز الإجمالي في الميزان التجاري مع الدول العربية.
ما المطلوب؟
بالرغم من أنني لست من دعاة الحمائية الاقتصادية، وأؤمن بالسوق الحر كنموذج اقتصادي، وبالرغم من استهلالي هذا المقال بأن الصناعة الأردنية قد استفادت في البدايات من تطبيق اتفاقية التجارة العربية الحرة، إلا أن أي مراقب لوضع الصناعة الوطنية، والمعاناة والتحديات التي تواجهها، وخصوصاً بعد إلغاء إعفاء أرباح الصادرات من ضريبة الدخل وارتفاع الكلف التشغيلية، وانخفاض الميزة التنافسية لها، يرى لزاماً على أي حكومة أن تضع على رأس أولوياتها وجود أنظمة (وليس نظاما واحدا) دعم مباشرة وغير مباشرة، مادية وغير مادية للقطاع الضامن لنمو واستقرار الاقتصاد الأردني.
لذا أعتقد وجود ثلاثة سيناريوهات فيما يخص تطبيق اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة:
– إبقاء الوضع على ما هو عليه، من خلال التطبيق الأمين والحرفي للاتفاقية، مع توقع نمو إغراق أسواقنا الأردنية بالعديد من البضائع العربية واحتمالية انخفاض صادراتنا للدول المنتجة لها والتي نرى توسعاً في تطبيق الأنظمة الجمركية الحمائية وبروز العديد من المتطلبات الإدارية تحت مسميات فحوصات أو شهادات مطابقة.
– دراسة خيار تطبيق بعض أنظمة الحماية ولو لفترة محدودة مثل وضع قيود كمية أو رسوم نوعية لمكافحة الإغراق أو التشدد في قبول شهادات المطابقة والفحوصات المخبرية والفنية.
– البدء بتطبيق نظام شامل للمعاملة بالمثل، ليس فقط مع الدول العربية وإنما مع أي دولة تطبق إجراءات حمائية أو تفرض معوقات إدارية وتشترط متطلبات لدخول المنتجات المستوردة إلى أسواقها.
وبالرغم من أنني أميل للسيناريو الثالث، إلا أنني أرى بوجوب أن تقوم الحكومة بدراسة الآثار الإيجابية والسلبية كافة لتطبيق جميع اتفاقيات مناطق التجارة الحرة وليس فقط منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى، وأرى بوجوب مشاركة بعض المراكز البحثية المرموقة في الأردن مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومنتدى الاستراتيجيات الأردني وغيرهما، مع اتخاذ القرارات الاقتصادية اللازمة والجريئة وبشكل سريع اذا ما أردنا فعلاً مناطق تجارة حرة وعادلة ما بين الأردن والعالم.

*صناعي أردني

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1855.89 0.26%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock