ترجمات

منطق الإقصاء: الاستعمار الاستيطاني، الصهيونية، ومستقبل إنهاء الاستعمار

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

آبي سيلبرشتاين* – (جويش كرنتس) 11/1/2022

ثمة القليل من المصطلحات في الخطاب حول إسرائيل/ فلسطين، التي يمكن أن تكون أكثر إثارة للجدل من “الاستعمار الاستيطاني” settler colonialism. ويؤدي الوصف الصادق لتجربة نزع الملكية العنيف التي عانى منها الفلسطينيون قبل وأثناء وبعد النكبة في العام 1948 -عندما طردت القوات الصهيونية ما يقدر بنحو 700.000 فلسطيني من منازلهم- إلى إثارة القلق لدى العديد من الصهاينة بشأن شرعية دولة إسرائيل نفسها. وعلى مدى عقود، حاول النشطاء المؤيدون لإسرائيل دحض هذه الرواية من خلال التأكيد أن إسرائيل لا يمكن أن تكون نتيجة لمشروع استعماري، لأن الصهاينة الأوائل كانوا يفتقرون إلى وجود “بلد أم”. وذهب جيل أصغر من النشطاء الصهاينة أبعد من ذلك، فأصروا على أن اليهود هم من السكان الأصليين لإسرائيل، وبالتالي فإن الصهيونية هي، في الواقع، حركة “ديكولونيالية”،(1) عكس-استعمارية، تهدف إلى “استعادة” الأرض لسكانها الأصليين. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة تنقضها بوضوح ممارسات التهجير المستمرة، ومصادرة الأراضي، وبناء المستوطنات، فإن حقيقة أن مصطلح “الاستعمار الاستيطاني” ما يزال يأتي في المقدمة والمركز من الحوار يؤكد على جاذبية الإطار.
لفهم النموذج الاستعماري-الاستيطاني بشكل أفضل -وكيفية ارتباطه بالمشروع الصهيوني- تواصلت مع لورينزو فيراتشيني Lorenzo Veracini، الأستاذ المشارك للتاريخ والسياسة في جامعة سوينبرن للتكنولوجيا في ملبورن. وكان فيراتشيني، الذي نشرت “فيرسو” كتابه الأخير “العالم مقلوباً رأساً على عقب: الاستعمار الاستيطاني كفكرة سياسية” The World Turned Inside Out: Settler Colonialism as a Political Idea، في أيلول (سبتمبر)، كان منخرطاً منذ فترة طويلة مع دراسة الاستعمار الاستيطاني، بما في ذلك حالة إسرائيل/ فلسطين. وإلى جانب الراحل باتريك وولف Patrick Wolfe، الذي كانت لديه بعض الاختلافات الحاسمة معه، يُنسب إلى فيراتشيني إنشاء تقسيمات تحليلية رئيسية بين الاستعمار colonization والاستعمار الاستيطاني. باختصار، على عكس القوة الاستعمارية “الكلاسيكية” -التي تنشئ مستعمرة كامتداد لنفسها من أجل انتزاع الثروة- فإن المجتمع الاستعماري-الاستيطاني ليس مهتمًا باستغلال العمالة والموارد الطبيعية بقدر اهتمامه بتشريد السكان الأصليين لتأسيس مجتمع جديد في مكانهم.
تحدثت مع فيراتشيني عن خصائص الاستعمار الاستيطاني، والصهيونية، وما يعنيه تخيل أنواع من المستقبل الديكولونيالي. وتم تحرير الحوار من أجل الاختصار والوضوح.
* * *
– أبي سيلبرشتاين: ما الاستعمار الاستيطاني؟
• لورينز فيراتشيني: الاستعمار الاستيطاني هو نمط من الهيمنة يتميز (بما أسماه باتريك وولف) “منطق الإقصاء”. تسعى الأنظمة الاستعمارية الاستيطانية إلى القضاء على الجماعات الأصلية في إقليم معين، أو على الأقل إنهاء استقلاليتها السياسية. وتختلف الأساليب اختلافًا كبيرًا، وتتداخل وتتفاعل: التطهير العرقي؛ والاحتجاز؛ والاستيعاب؛ والنفي القسري، وما إلى ذلك. وغالبًا ما ترافِق الفكرة القائلة بأن السكان الأصليين لم يعودوا أصليين بطريقة ما، هذه التكتيكات الأخرى وتمنحها الترخيص وتضفي عليها الصلاحية.
ولا يختص الاستعمار كله بهدف التهجير الكامل للسكان الأصليين الذي يحرك الاستعمار الاستيطاني. ثمة أنماط أخرى من الإخضاع تندرج تحت عنوان الهيمنة الاستعمارية، حيث تكون علاقة الإخضاع مصممة لتكريس وإدامة نفسها بدلاً من وقفها أو استبدالها. وبطبيعة الحال، ليست الأنماط الاستعمارية منفصلة. إنها دائمًا ما تمتزج بطرق ديناميكية.
– هل الصهيونية حركة استعمارية-استيطانية؟
• دعني أقل هذا بوضوح: الصهيونية حركة استعمارية استيطانية، وإسرائيل دولة استعمارية استيطانية. وهذه ليست إهانة، إنها بيان للحقيقة. كان الصهاينة أجانب وغرباء عن فلسطين. وكانوا يهدفون إلى احتلال الأرض وإقامة سيادتهم هناك. وقد فعلوا، وأضفوا الطابع الرسمي على هذا الاحتلال بإقامة دولة إسرائيل. تاريخيًا والآن، نرى في إسرائيل/ فلسطين كوكبة من ترتيبات الحكم التي تعمل بمنطق الإقصاء، من خلال ممارسة استبدال الفلسطينيين الأصليين والحلول محلهم، وفي مقابل ذلك، ثمة تصميم فلسطيني على مقاومة هذه الممارسة. هذا ما يبدو عليه الاستعمار الاستيطاني، حتى لو تغيرت طرائق الإحلال بمرور الوقت.
– عندما نتحدث عن الاستعمار، غالبًا ما نتحدث عن دولة ذات سيادة تستعمر دولة أخرى -الاستعمار الفرنسي في فيتنام أو الاستعمار البريطاني في جامايكا. وفي حالة الصهيونية، غالبًا ما يُستخدم الافتقار إلى “دولة أم” واحدة لمعارضة توصيف إسرائيل كدولة استعمارية استيطانية. ما رأيك في هذا؟
• يمكن أن يُثبت عدم وجود “دولة أم” واحدة أن الصهيونية لم تكن حركة استعمارية -أي أنها لم تكن حركة تهدف إلى إفادة عاصمة إمبريالية. وهذا صحيح، لأنها كانت حركة استعمار استيطاني: حتى لو تم إنشاء المستعمرات الصهيونية في البداية تحت الحكم الإمبريالي البريطاني، فقد رأى الصهاينة دائمًا إلى هذه الترتيبات الاستعمارية أو الإمبريالية على أنها مؤقتة بطبيعتها. كان القضاء على السكان الأصليين وعناصر هويتهم السياسية من أجل استبدالهم بدولة يهودية ذات سيادة هو الهدف النهائي دائمًا.
إضافة إلى ذلك، يجب أن نعيد النظر في ما هو المقصود عندما نتحدث عن المستعمرة باعتبارها انبثاقًا لـ”بلد أم”. على سبيل المثال، كانت الولايات المتحدة، أكثر المشاريع الاستعمارية الاستيطانية نجاحًا على الإطلاق، عبارة عن مجموعة من المستعمرات البريطانية، لكن المستوطنين جاؤوا من بلدان من كل أنحاء شمال وغرب أوروبا، ومن أماكن أخرى. وكانت فلسطين أيضًا ذات يوم مستعمرة بريطانية، لكن المستوطنين أتوا من بلدان عبر وسط وشرق أوروبا، من بين أماكن أخرى. عندما يتعلق الأمر بالهندسة السياسية، لا أرى فارقًا كبيرًا.
– هل هناك أمثلة أخرى على حركات استعمارية استيطانية زعمَت أنها “تعود” إلى أوطانها كما تصور الصهاينة أنفسهم في فلسطين؟
• تؤطر فكرة “العودة” العديد من حركات المستوطنين: العودة إلى الأرض؛ العودة إلى الوعي الأصيل؛ العودة إلى بيئة تنشيطية؛ والعودة إلى عالم ما- قبل- ثوري. كانت العودة إلى الإمبراطورية مجازًا للفاشيين الإيطاليين الذين ادعوا أنهم “يعودون” إلى ليبيا. وعندما شرع الفرنسيون في استعمار الجزائر، صورت التمثيلات الفرنسية الدولة الواقعة في شمال إفريقيا على أنها موقع لعالم “لاتيني” أصلي ينتظر عودة المستوطنين. وتخيل المستوطنون الأوروبيون في أميركا الشمالية أيضًا أنهم كانوا قد استعمروا هذه الأرض سابقًا؛ حتى أنهم “وجدوا” نقوشًا على بعض الصخور “تدل على” أن أسلافهم سكنوا المناطق التي أصبحوا يطالبون بها الآن. إن هذه الأرض، كما تصوّروا، هي ميراثهم. وحتى المستوطنون في أستراليا ونيوزيلندا تخيلوا أن السكان الأصليين الذين يقابلونهم هناك كانوا “آريين”، وأنهم أناس يتشاركون معهم في أسلافهم البعيدين. ورأى المستوطنون أنهم إذا كانوا يتشاركون في الأسلاف، فيمكنهم عينئذٍ المطالبة -بشكل محقّ- بالبلد كله كميراث. ويمكنني الاستمرار في ذكر الأمثلة، لكنكَ تفهم النمط.
– ما رأيك في ادعاء المؤرخ ديريك بنسلار Derek Penslar بأن الصهيونية يجب أن تُفهم على أنها تشمل سمات الاستعمار، وما بعد الاستعمار، ومناهضة الاستعمار؟
• تعرض جميع مجتمعات المستوطنين هذه العناصر. ويتكرر هذا النمط مرارًا وتكرارًا: عندما ينتقل المستوطنون إلى منطقة جديدة، فإن قصتهم الأولى تكون قصة هيمنة استعمارية. وبعد ذلك، عندما يؤسسون سيادتهم المحلية ويقوّون وعيهم الجماعي، يكافحون من أجل تأكيد استقلالهم عن العاصمة الأصلية. ووفقًا لهذا الإطار، يفهم المستوطنون تاريخهم على أنه تاريخ نضال مناهض للاستعمار. وفي بعض الحالات، يحصل المستوطنون على سيادتهم من خلال الحرب، كما حدث في انتصار الولايات المتحدة في الحرب الثورية. وفي حالات أخرى، يتفاوضون بشأنها من خلال العمليات الدبلوماسية، كما هو الحال مع أستراليا ونيوزيلندا. وبعد هذا تأكيد السيادة، قام المستوطنون بعد ذلك بتطوير نسخهم القومية المختلفة لشريعة “ما بعد الاستعمار”، كما لو أن استقلال المستوطنين يشكل نهاية للاستعمار. وتؤكد هذه التقاليد الثقافية عادةً على الطبيعة الاستثنائية و”إنجازات” المجتمع الاستيطاني.
لكن هذا التسلسل لا يكون منطقيًا إلا إذا لم تفكر في السكان الأصليين. خلال كل فصول هذه الرواية المتغيرة، يحتفظ المستوطنون بسيادتهم ويعبرون باستمرار عن منطق الإقصاء والقضاء على السكان الأصليين.
– في كتابك “العالم رأساً على عقب”، تضع الاستعمار الاستيطاني كبديل للتغيير الثوري محليًا: الاستعمار الاستيطاني هو في الأساس وسيلة “لحل” أي مشكلة يواجهها سكان معينون على أرض أجنبية، بدلاً من تهديد الوضع الراهن في الوطن. من المثير للاهتمام النظر إلى الصهيونية في ضوء ذلك، نظرًا لأن منتقديها اليهود لم يكونوا فقط الاشتراكيين الثوريين في الأحزاب الشيوعية و”البوند”،(2) ولكن أيضًا من مجموعات أكبر نسبيًا كانت إما معارضة دينيًا للصهيونية أو أرادت الاندماج في المجتمعات الأوروبية.
• هذا صحيح، وكان ذلك كفاحًا عظيمًا. كان على الصهيونية أن تتعامل مع العديد من المعارضين، وكان الاشتراكيون والشيوعيون الثوريون في أوائل القرن العشرين مجموعة فرعية واحدة فقط. لكن الثورة هي أكثر من مجرد اقتراح اقتحام “قصر شتاء” ما. يمكن اعتبار الاستيعاب أو الاندماج بحد ذاته تحولاً ثورياً، يغير جذريًا العلاقة بين الجماعة اليهودية والمجتمع ككل. وقد اعتنق بعض اليهود هذه الثورة: النخب العالمية والليبرالية بقدر ما اعتنقها الاشتراكيون والشيوعيون. واستاء آخرون من ذلك لأسباب دينية. وقد اختار الصهاينة الانسحاب من كل الثورات والتناقضات في الأراضي التي يعيشون فيها، واختاروا تهجير أنفسهم بدلاً من ذلك.
– هل يمكن أن تكون هناك مبالغة في تقدير الأهمية السياسية لـ”الاستعمار الاستيطاني”؟ هل يخشى الصهاينة أكثر من اللازم من الآثار المترتبة على قبول هذا المصطلح على نطاق واسع لوصف إسرائيل؟ هل أن الفلسطينيين وحلفاءهم ربما يكونون متفائلين للغاية بشأن إمكانية أن تؤدي مثل هذه التحولات الخطابية الاستطرادية إلى الدفع بتغيير مادي؟
• توضيح الحقيقة التي يمكن إثباتها بأن الصهيونية هي استعمار استيطاني لا يعني أن إنهاء الاستعمار يصبح أقرب بأي حال. لقد ثبت أن التراجع عن الاستعمار الاستيطاني أو تفكيكه كأسلوب للهيمنة أمر صعب للغاية. نادرًا ما تتم استعادة الأرض والاستقلال السياسي، حتى عندما يتم الاعتراف بذلك، كما هو الحال في العديد من المجتمعات الاستيطانية. ومع ذلك، فإن صعوبة الأمر لا تعني ألا نحاول. إن لكل شخص الكثير ليكسبه من تفكيك هيكل الهيمنة هذا، حتى المستوطنين أنفسهم. مَن الذي يريد أن يستفيد من سلب شخص آخر؟ وعلاوة على ذلك، كنت أبحث في حركات الاستعمار الاستيطاني منذ عقود ورأيت أنها لا تحترم وعودها. إنها تعِد بالأرض، وينتهي الأمر بالجميع إلى مستأجرين لضفة ما (إذا كانوا محظوظين). وهي تعد بالتجديد، لكننا نعيش جميعًا أوضاعاً غير مستدامة. وتعِد بعلاقة أكثر معنى مع الأماكن التي نعيش فيها، لكن أفضل ما يمكن للمستعمرين الاستيطانيين تقديمه هو أن يكونوا مغتصبين. والصهيونية ليست استثناء.
يتطلب تفكيك الاستعمار الاستيطاني في النهاية إحداث قطع في منطق القضاء على السكان الأصليين. سوف تحتاج أي دولة مبنية على هذا المنطق إلى إعادة تنظيم كاملة. وهناك عدد متزايد من الخبرات الدولية فيما يتعلق بهذا التحول. نيوزيلندا وجنوب أفريقيا، على سبيل المثال، بدأتا عمليات مماثلة في التسعينيات. ولم تسقط السماء على الأرض في أي من البلدين.

*Abe Silberstein: كاتب مقيم في نيويورك. ظهرت أعماله حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والسياسة الخارجية للولايات المتحدة سابقًا في صحف “نيويورك تايمز”، و”هآرتس”، و”تل أبيب ريفيو أوف بوكس” و”وور أون ذا روكس”.
*نشر هذا الحوار تحت عنوان: A Logic of Elimination: Historian Lorenzo Veracini discusses settler colonialism, Zionism, and decolonial futures.
هامش المترجم:
(1) الديكولونيالية Decoloniality (بالإسبانية: decolonialidad): هي مدرسة فكرية استخدمتها بشكل أساسي حركة ناشئة في أميركا اللاتينية، تركز على فك تشابك إنتاج المعرفة عما يرون أنه في المقام الأول المعرفة الأوروبية. وهي تنتقد الشمولية المتصورة للمعرفة الغربية وتفوق الثقافة الغربية. وتنظر وجهات النظر الديكلونيالية إلى هذه الهيمنة على أنها أساس للإمبريالية الغربية. (ويكيبيديا)
(2) البوند Bund: اسم يطلق على منظمة ألمانية أميركية مؤيدة للنازية في الثلاثينيات. وأيضاً على منظمة اشتراكية يهودية تأسست في روسيا القيصرية في العام 1897.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock