تحليل إخباري

منظومة قيم ما بعد كورونا

العين هيفاء نجار*

إن تشخيص الواقع شرط مهم من شروط التغيير والتطور، كما أن التأمل في سلوكاتنا وعلائقنا فيما بيننا ومع الأشياء الأخرى ليس من أجل الانتقاد والفرجة إنما هو أداة لفهم ما يجري حولنا. فلكي نستطيع أن نغير ما بالظاهر علينا أن نغير ما في الباطن، بمعنى آخر لكي يتغير ما في المجتمع علينا أن نغير ما بالأنفس.
لقد انصب الاهتمام أثناء جائحة كورونا على تأثيرها على الوضع الصحي والاقتصادي والتربوي، وأغفلنا ركناً أساسياً من أركان حياتنا، يشكل البنية الفوقية لكياننا ووجودنا. صحيح أن جائحة كورونا قد تغلغلت في نسيج حياتنا، وفرضت اشتراطاتها على كل فرد منا، ولكن ذلك لم يكن على المستوى الصحي والاقتصادي فحسب بل على مصفوفة قيمنا وعاداتنا أيضاً.
بالرغم من آثار الجائحة السلبية على مناحي حياتنا كلها، إلا أننا استبشرنا خيراً في أنها قد تدفعنا إلى إعادة قراءة بعض القيم والعادات السلبية التي استفحلت في مجتمعنا، فنتخلص منها لأنها كالشوائب التي عكرت مفاهيمنا في كثير من الأمور. ولعل ثقافة الاستهلاك خير دليل على ذلك، فالوضع الاقتصادي مس الجميع، ومع ذلك نرى أن حظراً لمدة أربعة أيام أو حتى يوم واحد يملأ الأسواق بالناس، مع أن بيوتنا تمتلئ بالزيت والزيتون والزعتر والجبنة وغيرها.
علينا محاربة ثقافة الاستهلاك، والإقبال على الإنتاج، فهناك وضع اقتصادي صعب على الجميع، ولهذا علينا أن نكون منتجين مبدعين في إدارة مواردنا، لأن الإنسان المنتج يقدّر قيمة الأشياء ومعانيها، وعلينا أن نكرس مفهوم الاقتصاد المنزلي الذي يغنينا عن الاستهلاك المفرط في كثير من الأحيان، فثقافة الاستهلاك والاستسهال هي آفة خطيرة تنخر المجتمع وتعمل على تفكيكه. كما أن علينا أن نعزز مفهوم الجيرة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني التعاون والتعاضد والإجارة، وفوق ذلك علينا أن نكرس قيمة الالتزام واحترام القوانين، والبعد عن تناقل الإشاعات وتضخيمها، وتصيّد أخطاء مسؤول هنا أو مسؤول هناك، بل علينا تشجيع الاجتهادات والمبادرات التي تعمل على تمتين نسيج مجتمعنا وتشد من أزره، وتؤصل لقيم نبيلة نمتلكها وآن الأوان لتجذيرها وممارستها على الدوام.
إن حساسية المرحلة التي نمر بها تتطلب وضع أيدينا على مكامن الضعف ووجوه التقصير، وإعلاء صوتنا بالنقد وعدم الصمت، لأن الصمت في وجه من وجوهه قبول بما هو كائن. لقد أصابت إعلامنا التخمة بالحديث عن آثار الجائحة في كل مفصل من مفاصل حياتنا، متناسياً منظومة القيم والعادات التي يجب علينا زيارتها من جديد، فنكرس النبيل منها ونعززه، ونقضي على القبيح الغريب عنا، ومن هنا فعلينا أن نتبنى خطاباً أخلاقياً يتشارك في نتاجه المبدعون والمفكرون وذوو الاختصاص، فهذا الخطاب على درجة كبيرة من الأهمية إذ إنه يطرد أشباح اليأس من نفوس المواطنين، ويضيء لهم طريق الأمل ويبث فيهم روح التفاؤل، ويعلي من قيمة الأخلاق والعمل والإنتاج والعلاقات الإنسانية المتكئة على المحبة والتعاون والتكاتف.
إن بأيدينا قوة نستطيع من خلالها تحويل التحديات إلى فرص، وهذه القوة هي الإنسان الأردني، لذا علينا الاهتمام به وتسليحه بمنظومة قيم أولاً ثم تزويده بما يجعله قادراً على التنافسية والإبداع والابتكار. وسيظل الأمل يملؤنا بأننا قادرون على تغيير هذا الواقع بهمة الجميع والعمل معاً من أجل مستقبل أجمل. وأخيراً أقول إنه مهما بدا لبعضهم بأن الواقع أسود قاتم إلا أن فيه نقاطاً بيضاء ستتمدد وتكبر لتجعل اللوحة أجمل وأزهى.

*المديرة العامة للأهلية والمطران

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock