أفكار ومواقف

منكرو “كوفيد- 19” يهددون حرية الآخرين

تقول تقديرات إن نسبة الأردنيين الملتزمين بالإجراءات الوقائية الموصى بها لمنع تفشي «كوفيد- 19» انخفضت بعد رفع الحظر من الثمانينيات إلى 50 أو 45 أو أقل. والذي يرفضه نصف الأردنيين أو أكثر في الحقيقة هو تدابير بسيطة: ارتداء الكمامات والقفازات في الأماكن المغلقة والمزدحمة؛ غسل اليدين؛ التباعد الجسدي وتجنب التجمعات.
ظاهرة إنكار وجود المرض، أو التقليل من شأن خطورته، ليست محلية. وهناك في الحقيقة تيارات يشارك فيها إعلاميون وساسة وكُتاب، أو حتى سياسيون، والذين يبحثون عن حجج تدعم تشككهم في الوباء. ويتعقب بعض المراقبين كيف يتم تسييس قصة الوباء واستخدامها في المنافسات. وتمت في بعض البلدان عمليات تحشيد وتنظيم مسيرات للتعبير عن الإنكار والاحتجاج على الإجراءات. كما تغص مواقع التواصل الاجتماعية والإنترنت بالنقاش بين المصدّقين والمكذبين.
ثمة بعض المشككين الذين يعلنون أنهم «علميّون» و»إمبريقيون» على طريقتهم، ويقولون إنهم لا يصدّقون الوباء إلا إذا كان يُلمس باليد ويُشاهد بالعين. ولا تعني الصور التلفزيونية وأرقام الإصابات الرسمية عن من حول العالم شيئاً ولا تُعتبر دليلاً. ببساطة، يمكن تلفيق كل شيء. ومن المفارقات أن معظم هؤلاء المشككين يغلب أن يكونوا في العادة من الأكثر تصديقاً لما لا يُلمس ولا يُشاهد.
البعض يُصدّقون، لكنهم ملّوا من الحظر، أو تضررت أحوالهم المادية كثيراً منه. وحين رُفِع الحظر، استكملوا التخفف من العزلة في البيوت إلى التخفف من الكمامات والقفازات والتباعد، كما لو بنزعة انتقام باعتبار هذه رموزاً للقيود التي يريدون التخلص منها جملة وتفصيلاً.
وثمة الذين يُصدّقون، وإنما يدفعهم ما يشاهدون ويقرأون إلى الحذر. ولا يَهُم بالنسبة لهؤلاء إذا كان الفيروس قد هرب من مختبر في ووهان، أو صنعته شركات الأدوية، أو له علاقة ببيل غيتس ومؤامرة عالمية ما. المهم أنه موجود وخطير. وأقل واجب لتخفيف آثاره هو الالتزام بالإجراءات الوقائية التي ليست عبئاً مستحيلاً في نهاية المطاف إذا ما قورنت بتبعات الإصابة الشخصية، أو الآثار العامة للتفشيات.
الذي لا يريد أن يصدّق لن ينفع معه شيء – ربما إلا إذا «لمس وشاهد» عندما يصل الوباء إلى بيته وعائلته. والذي يصدق يشاهد الأخبار ليبقى على اطلاع ويفكر ويتصرف بطريقة محسوبة قدر الإمكان. والأخبار أن فيروس كورونا عاد مجدداً إلى الصين نفسها، التي كانت أول من احتواه وتمرس في إجراءات ضبطه. وقد عادت الصين إلى إغلاق المدارس والمطارات وفرض الحظر في عاصمتها. وفي إيران المجاورة، خففوا الحظر فحلقت أرقام الإصابات والوفيات من جديد. وفي السعودية ودول الخليج، ما يزال التفشي أبعد ما يكون عن التراجع، وقد اضطرت السعودية إلى إغلاق جدة. وفي العراق يسجلون وفيات بالعشرات يومياً والإصابات فوق الألف. وفي الكيان الصهيوني، هبطت الأرقام، ففتحوا المدارس، ليعودوا فيغلقوها لأن الإصابات حلقت ابتداء منها بالتحديد. وفي كل العالم، يغزو الفيروس دولاً جديدة حتى لا يكاد يترك أحداً. بل إن نيوزيلندا سجلت مؤخراً حالات جديدة بعد تسجيل صفر حالات لأيام.
في النهاية، يبقى التصديق أو عدمة موقفاً شخصياً وكلٌّ حرٌّ في مذهبة. لكن ترجمة موقف الإنكار إلى سلوك في الفضاءات العامة ليس شيئاً يتعلق بحرية الفرد المعني. إنه، باختيار رفض الالتزام بوسائل الوقاية، مرشح للإصابة بالعدوى، وحملها ونقلها إلى آخرين. وسوف يكون نشوء بضع بؤر للتفشي بسبب المستخفّين اعتداء صريحاً على حريات الآخرين، وسلامتهم وأرزاقهم، حينها قد يتطلب الموقف إعادة فرض الحظر وإغلاق الأعمال والمزيد من تأزيم أحوال البلد والناس.
الذين يكتبون على مواقع التواصل «هذا فيلم هندي»، إنما يبتكرون «فيلمهم الهندي» الخاص ويعتقدون الحق في عرضه. وهم لا يخدمون أي شيء في الحقيقة سوى رفع منسوب المخاطر بلا أي مكسب أو مبرر. وحتى لو كان المرء غير مصدق، فإن شيئاً لن يضيره إذا احتفظ بموقفه لنفسه ووضع الكمامة والقفازات في الأماكن العامة من أجل طمأنة مواطنيه الذين يصدقون -أو حتى من أجل الواحد بالمائة من احتمال أن يكون الخطر حقيقياً، وأنه إذا كان تقديره خاطئاً، فإنه يغامر بكل الآخرين، وبالسلامة، والاقتصاد والبلد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock