أفكار ومواقف

من أجل ماض أفضل للأجيال المقبلة

“لا توجد قوة تستطيع تغيير الماضي، لكن المؤرخين يغيّرونه”، يقول صمويل بتلر، الروائي الإنجليزي المعروف (1835-1903). ولم يعش بتلر ليرى تزوير المؤرخين الصهاينة والإسرائيليين للتاريخ، بل اختراعه ليتلاءم أو يخدم الأغراض الصهيونية وإسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني. (إقرأ كتاب:Keith W. Whitlam: The Invention of Ancient Israel: the Silencing of Palestinian History, 1996) لتعرف، فهو مترجم إلى اللغة العربية.
قبل أيام، حضرتُ افتتاح ندوة عقدت في إحدى الجامعات. وكان المقيمون لها يوزعون على المدعوين الحضور أساور من مطاط مكتوب عليها: نعمل من أجل مستقبل أفضل. وقد احتلت العبارة عقلي، فوجدت أنه من أجل مستقبل أفضل، يجب أن نعمل من أجل ماض أفضل؛ فنحن الماضي بالنسبة لأولادنا وبناتنا وأحفادنا وحفيداتنا، ويجب أن نخدمهم بجعل هذا الماضي أفضل لهم، بمدخلات تجعل حاضرهم أفضل منه. فالمستقبل يبدأ اليوم كما يقول المستقبليون. وما نعاني منه اليوم، أي في حاضرنا، ليس سوى مخرجات أو نتاجات لمدخلات الأمس القريب والبعيد لآبائنا وأجدادنا، ولمدخلاتنا، في حاضرنا نحن اليوم.
من مدخلات الأمس البعيد التي نعاني منها إلى اليوم، عادة الأخذ بالثأر -مثلاً- المستمرة إلى اليوم، واعتبار أقارب القاتل مسؤولين فردياً وجماعياً وحتى الجد الخامس عن الجريمة. ومنها أيضا مدخلات معركة كربلاء التي قسمت المسلمين إلى سُنّة وشيعة وظلت تريق دماءهم إلى اليوم.
لقد وضع قانون العقوبات والقانون الدولي نهاية للمسؤولية الجماعية البدائية عن جريمة الفرد. ولكن إسرائيل تتصرف كالمجتمعات البدائية؛ فتنتهك هذا القانون كل يوم، وتحمل الشعب الفلسطيني كله المسؤولية عن قيام طفل أو طفلة أو فتى أو فتاة بطعن يهودي أو دهسه، فتنسف بيت أسرته أو تنفيها أو تسحب هويات أفرادها، وكأن طفلها استشارها مسبقاً فيما أقدم عليه ووافقت عليه. إن إسرائيل بهذا التصرف، وكذلك “داعش” والتنظيمات الشبيهة التي تكفر الجميع وتفجر بهم، لا تختلفان عن المجتمع البدائي. ومع هذا يصفون إسرائيل أو تصف نفسها بالواحة الديمقراطية الوحيدة بالشرق الأوسط أو بالفيلا في الغابة، و”داعش” بالدولة “الإسلامية” في العراق والشام .
ولما كان الأمر كذلك، فإن المطلوب هو العكس؛ التفكير في مستقبل أولادنا وبناتنا وأحفادنا وحفيداتنا، وترتيب حاضرنا بمدخلات تربوية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية ديمقراطية تؤدي إلى مستقبل أفضل لهم. لأن ما نقوم به الآن، سيصبح الماضي بالنسبة إليهم. ويجب أن نجعل هذا الماضي أفضل من أجل مستقبل أفضل لهم، “فنحن لا نرث الأرض عن آبائنا وأجدادنا، وإنما نستقرضها من أولادنا وأحفادنا” كما يقول الآميش؛ ويجب أن نعيدها إليهم سالمة وقابلة للعطاء عبر ما يسمى بالتنمية المستدامة، ومقاومة التلوث والاحتباس الحراري.
لقد أوصلنا تنظيما “القاعدة” و”داعش” ومتفرعاتهما إلى قاع البئر، وفجرا الحبل فينا، لأنهما لا يعلمان ولا يدركان أن من المستحيل استحضار الأسباب والعوامل التي أنتجت الماضي قبل مئات السنين. لكن أهل الحاضر يستطيعون بإرادتهم وعقلانيتهم الإمساك بالأسباب والعوامل اللازمة لإنتاج مستقبل زاهر لأبنائهم وبناتهم وأحفادهم وحفيداتهم “فهم أعرف بشؤون دنياهم”. ويجب عليهم أن يصنعوا لهم ماضيا يعتزون به، ويضيفوا عليه ويتجاوزوه.
يقول شارل ويلسون: “من غير المجدي الحديث الزائد عن الماضي، لأن ذلك لا يختلف عن محاولة جعل تنظيم العائلة يعمل بأثر رجعي”.
يجب أن نبدأ الآن، وأن لا نقتل الزمن بالانتظار، لأنه قد يسبقنا فيقتلنا. “إن الماضي جيد للزيارة (أو للسياحة)، وليس للعيش فيه”، كما يقول أحد المفكرين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock