فكر وأديان

من أسمائه تعالى: اللطيف

د. علي جمعة*

من أسمائه تعالى الحسنى اسمه “اللطيف”. وكلمة اللطيف صفة مشبهة للموصوف باللطف فعله. وأصل هذه الكلمة في اللغة مأخوذ من الخفاء والرقة؛ إذ يقال‏:‏ علم فلان لطيف، أي خفي دقيق‏. وفلان لطيف العمل، أي يصنع الصنائع الدقيقة. ويقال: جسم لطيف إذا كان شفافا أو ضئيلا.
أما معنى اسم اللطيف في حقه تعالى، فهو الذي لطفت أفعاله وحسنت، أو الذي لا تدركه الحواس. قال تعالى: “لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ”(الأنعام، الآية 103)؛ أو العليم بخفيات الأمور ودقائقها؛ قال تعالى: “يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ” (لقمان، الآية 16)، وقال: “أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ” (الملك، الآية 14)؛ أو الذي يعلم دقائق المصالح وغوامضها ثم يسلك في إيصالها لمستحقيها سبيل الرفق بدون العنف؛ قال تعالى: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ” (الحج، الآية 63).
فاللطف من الله تعالى التوفيق والعصمة وإيصال الخير لخلقه؛ فيوصل إليهم إحسانه وألطافه من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون؛ قال تعالى: “اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ” (الشورى، الآية 19)، وقول نبي الله يوسف عليه السلام مبينا للطف الله سبحانه ورفقه به بعد أن ألقاه إخوته في الجب: “إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ” بعد قوله: “وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي” (يوسف، الآية 100). قال ابن عطاءالله السكندري: من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره.
ومن مظاهر لطف الله بعباده أنه يلطف بالجنين في بطن أمه وقد خلقه في ظلمات ثلاث؛ فيحفظه ويغذيه ويربيه حتى ينزل من بطن أمه، فيكفل له من يأخذ بيده ويرعاه حتى يصبح قويا ناضجا يستطيع الاعتماد على نفسه. ثم هو مع ذلك يرعاه ببره ويكفل له رزقه ويحفظه بعنايته، وإذا عمل حسنة ضاعفها له، وإذا عمل سيئة غفرها له إن استغفر، فإن لم يستغفر كتبها عليه سيئة واحدة.
ومن لطف الله تعالى بعباده أنه لم يتركهم هملا، بل أرسل إليهم الرسل يعلمونهم ويرشدونهم، كما جعل لهم حفظة من الملائكة يكلؤونهم ويحفظونهم؛ قال تعالى: “لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ” (الرعد، الآية 11). فالله سبحانه وتعالى بر بعباده، رفيق بهم، وهو لطيف بالبر والفاجر، إذ لم يقتل الكفار مثلا جوعا بمعاصيهم. وهو سبحانه في الآخرة لطيف بعباده المتحققين بالعبودية في العرض والمحاسبة. فيجب على كل مسلم أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى هو اللطيف، وأن كل لطف إنما هو من عند ربه، وليشغل نفسه بالشكر لمن لطفه به خفي، وبره إليه واصل في سرائه وضرائه.
فكم لله من لطف خفي    يدق خفاه عن فهم الذكي
وكم يسر أتى من بعد عسر     ففرج كربة القلب الشجي
وكم أمر تساء به صباحا    وتأتيك المسرة في العشي
إذا ضاقت بك الأحوال يوما    فثق بالواحد الفرد العلي
تشفع بالنبي فكل عبد    يغاث إذا تشفع بالنبي
ولا تجزع إذا ما ناب خطب    فكم لله من لطف خفي
وقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، متخلقا بصفة اللطف؛ تقول السيدة عائشة عن ذلك: ويريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض (رواه البخاري/2661).
فإذا أردت أن تنال حظا من اسمه اللطيف، فكن لطيفا بالعباد، تبذل لهم لطيف الألفاظ، وتتلطف في دعوة العصاة إلى الحق، وتجذبهم بلطيف أخلاقك، وتهتم بأهل الفقر فتتلطف معهم، وتدعو لهم، وتسأل الله اللطف بهم في كل حال.
ومن الأدعية التي ذكرها العلماء متعلقة بهذا الاسم: إلهي إن ألطافك أحاطت بالموجودات وعمت الكائنات، وإن لك نفحات إذا سرت في قلب غافل أيقظته أو عبد مذنب قربته. وإن لك لحظات جعلت أولياءك عندك في أعلى الدرجات، وإن لك ألطافا صيرت الواصلين لا يلتفتون إلى الحياة.
إلهي.. لطفت بنا في كل مرحلة في هذه الحياة، فالطف بنا حتى نخرج من هذه الدار، والطف بنا عند سؤال الملائكة الأطهار، وأشهدنا تجلي ألطافك في النفس والآفاق، فأنت الواحد الأحد الخلاق، وأنت على كل شيء قدير: فيا خفي الألطاف نجنا مما نخاف.

*مفتي الديار المصرية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock