أفكار ومواقف

من أول السطر.. مرّة أخرى!

انتقلت الدعوات في الحراك الشعبي إلى الاعتصام أمام السفارتين الأميركية والإسرائيلية؛ الأولى احتجاجاً على وثائق ويكيليكس من إساءة لأبناء العشائر، والثانية -فيما يبدو- تأثراً بما قام به الشارع المصري هناك.
هذه النشاطات، بلا شك، مشروعة قانونياً وسياسياً، لكن السؤال المركزي هو حول مدى وجود رؤية واضحة موحدة لدى الحركات والمجموعات التي تنشط في الشارع، على المراحل والأولويات والأهداف المشتركة والهموم الرئيسة لدى أغلب المواطنين! على النقيض من ذلك، فما يبدو إلى الآن أنّنا أمام بوصلة مرتبكة مترددة!
من يرصد النشاطات السياسية يضيع بين عشرات الحركات والمجموعات والعناوين، ويجد صعوبة بالغة جداً في تحديد ما هي المطالب الحقيقية والأولويات المحددة للحراك الشعبي، وربما يشعر بصداع وهو يحاول الربط بين فعالياتها وأنشطتها المتنوعة. والمفارقة أنّ التفاعل الشعبي يتراجع ويضمر ويشعر بالملل والإحباط من قدرة هذه الحركات على تقديم رسالة واضحة تحدد ما هي الأهداف المطلوبة.
الحراك العربي الشعبي أجمع على شعار الحرية، العدالة والكرامة؛ فهو يريد ديمقراطية حقيقية، تمنح الناس حقوقهم السياسية والمدنية وتحد من فساد الأنظمة، وعدالة اجتماعية في مواجهة البرامج الاقتصادية الفاشلة، تنصف الطبقات الوسطى والفقيرة وتعيد تأهيلها لبناء قدرتها على التكيف مع الدورة الاقتصادية، وكرامة على مستوى الأفراد والمجتمع وحتى الكرامة الوطنية في مواجهة الهيمنة الخارجية والتبعية الداخلية.
في المقابل، لو أجرينا مسحاً للحركات والعناوين الإصلاحية لدينا، فقط خلال الأشهر الماضية، فسنقف أمام عشرات هذه المجموعات التي ظهرت بصورة مفاجئة، وبدأت تتحدث عن الإصلاح وتقدم خطاباً سياسياً خاصّاً بها، ولوجدنا أنّنا أمام عشرات الأسماء التي تتحدث باسم الإصلاح.
ما يضعف هذه المجموعات، ويعزلها عن الشارع نفسه، ويقلل من شأن قوة الحراك الشعبي وصداه، هو الدعوة إلى فعاليات ونشاطات ذات عناوين كبيرة، وبضجة إعلامية ودعوات تملأ الفضاء الإلكتروني أيضاً، ثم على أرض الواقع لا يحضر سوى عشرات وأعداد محدودة جداً هذه الفعاليات، ما يعطي انطباعاً عكسياً تماماً عن الموقف الشعبي من الإصلاح.
وبالرغم من تشكيل جبهات شعبية وإصلاحية وتطعيمها بأسماء عديدة موقعة على بياناتها وخطاباتها، إلاّ أنّ الملاحظة المثيرة هي تكرار الأسماء في أغلب هذه العناوين ومحدودية الدوائر النخبوية التي تدور فيها، من دون أن تتمكن -غالباً- من الوصول إلى الشارع وتحريك الشرائح الواسعة للضغط باتجاه الإصلاح.
بالنتيجة، بعد مرور أشهر طويلة، فإنّ هنالك تراجعاً في حجم الحراك الشعبي، وتحديداً في العاصمة عمان والمدن الكبرى، وتشتتاً في المطالب، وعزوفا جماهيريا عن المشاركة بالنشاطات.
البديل المطلوب لهذا التشتت وتلك الفوضى هو العودة إلى أول السطر في أهداف الحراك الإصلاحي وإطاره العام، وإخراجه من عباءة القوى السياسية والعناوين الكثيرة المتعددة والفعاليات التي تفتقد إلى الحضور والقوة والمصداقية.
الخروج من هذه الحالة التي لن تنتج شيئاً، يكمن في التركيز على بناء حركة شعبية عامة بعناوين سياسية واضحة وأولويات ومطالب محددة، تمثّل الخيط السميك الذي يوحّد الشارع لا يشتته، ويمكّنه من الإمساك بأدوات ضغط حقيقية على الحكومة.

تعليق واحد

  1. لفصحت وأوفيت د. محمد ابو رمان
    كلامك ايها الدكتور الجليل يقاس بوزنه ذهبا..فقد أفصحت وأوفيت . واعطيت لعمليات الأصلاح والتغير لونا مميزا وطابعا مثيرا ؟ وقالبا يجب أن يكون حلق في آذان بعض المتطفلين الذين يصطادون في الماء العكر ويرغبون على التقليل من شأن المسيرات حتى لو فعلا احتاج العقلاء باقامة مسيرات لها أهداف لا يشاركهم سوى قلة من المواطنين ..فالسلطات العليا بالأردن ربما هي التي ترغب بقطع علاقاتها مع اسرائيل بصورة خاصة فلا تقدر لآن هنالك اتفاقيات دولية وارتباطات ثنائية وعلاقات دولية تضر بالمصلحة الاردنية أكثر ما تفيدها لو طلبت الأردن من قطع علاقتها مع اسرائيل

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock