أفكار ومواقف

من أين آكلك يا بطة؟

الواقع العربي -وبخاصة في آسيا العربية- لا يغيظ عدوا ولا يسرّ صديقاً. أما عند أهله، فهو غير مفهوم، ومن ثم فإنهم يشعرون بالضياع والقلق من سوء المصير. وهما الثمن الفادح للغلطتين الكبيرتين القاتلتين اللتين ارتكبهما العرب في نهاية التاريخ العربي؛ أعني في نهاية القرن العشرين، حين تبخر الحلم العربي بالوحدة والحرية والتحرير:
الأولى، غلطة الدكتاتور القاتلة باحتلال الكويت، لاعتقاده مغرورا -ككل دكتاتور- بقوته، وأنه قادر ليس على هزيمة إيران فقط، بل وأميركا عند الضرورة. وقد قيل إن “غلطة الشاطر بألف”، أما غلطة الدكتاتور فبمليون.
لو كان الحكم في العراق ديمقراطيا -كما كان في العهد الملكي- لما وقعت الحرب الإيرانية-العراقية، ولما تمّ احتلال الكويت. ولو كان الحكم الناصري في مصر ديمقراطيا، لما فسدت قيادة الجيش ولما وقعت هزيمة حزيران 1967 التي أطاحت بقية فلسطين في يد “إسرائيل”.
الثانية، وهي الغلطة القاتلة الكبرى، فهي رفض جملة الأنظمة العربية بقيادة حسني مبارك -السجين والحزين- الحلّ العربي الذي سعى إليه الملك الحسين لتصحيح الغلطة الأولى، والتي انتهت بحرب الخليج الثانية العام 1991، وبحرب الخليج الثالثة العام 2003. وبالغلطتين تمّ القضاء على العراق كدولة عربية إقليمية فاعلة، تحسب بقية القوى الإقليمية حسابها.
لقد ظل المتحالفون العرب يظنون أن العراق سيكون الخاسر الوحيد. ولكنهم يدركون الآن، وبعد فوات الأوان، أنهم كانوا هم الخاسرين، وأن الاستراتيجية الأميركية الجديدة لن تحميهم من إيران، حتى وإن قامت باحتلال الخليج.
لقد أصبح العراق بعد الاحتلال الأميركي له إقليما إيرانيا كرديا. وها هو هجوم تنظيم “داعش” عليه واحتلال بعض محافظاته، يوفر لإيران ضم ما يتبقى منه إليها، وضم كردستان محافظة كركوك إليها. وبهذا التطور ثأرت إيران الفارسية -ولا يغرنكم اللقب الإسلامي لها- من القادسيتين العربيتين: قادسية سعد بن أبي وقاص التي قضت على الإمبراطورية الفارسية، وقادسية صدام التي هزمتها. وبذلك أعادت الفتوحات العربية وانتصار صدام عليها إلى منزلة الصفر، وربما إلى الصفر المطلق، وكأن الفتوحات لم تكن.
وبدلا من أن تنهض الدول العربية وتتضامن لغسل العار ووقف الدمار، فإنها تتحول إلى ما يشبه دول الطوائف في الأندلس في نهاية عهدها، عندما كانت تتحالف مع العدو المشترك ضد بقية الأشقاء، إلى أن تم القضاء عليهم جميعا وطرد العرب والمسلمين واليهود من الأندلس بعد ثمانمائة عام من “الاحتلال” المستنير.
وبتحول المعارضة السورية من الشكل السلمي إلى الشكل المسلح والإرهابي نتيجة غلطة الدكتاتور القاتلة في التعامل مع الأطفال في درعا، تدمرت سورية أيضا كالعراق؛ أفقيا وعموديا، وأصبحت إقليما إيرانيا، حسب تصريح قائد إيراني أكد أن حدود بلاده هي البحر الأبيض المتوسط.
والآن، أنظر، وفكّر، وتأمل: هل يستطيع أي من مفردات آسيا العربية منفردا -وحتى مجتمعا- الوقوف في وجه الأطماع الإيرانية والتركية والإسرائيلية فيها؟ إن كلا منها يسنّ أسنانه عليها وينتظر فرصة -وربما تكون حملة “داعش” على العراق هي الفرصة- لاقتناص ما يقدر عليه منها؛ فالبطة مشوية وجاهزة، وينتظر كل طرف الآخر مدّ يده ليهجم عليها.
إن عرب آسيا الآن كالأيتام الذين يتراكضون لالتقاط الفتات المتساقط عن موائد اللئام، لأنه لم يعد لهم كرسي على المائدة بعد أن حطموها (العراق). ترى، هل تقدر مصر الجديدة على ملء الفراغ؟!
لقد كتبت (وغيري كثير) عدة مرات محذرا من هذا الخطر الداهم، كان آخرها في 6 /11 /1997 بعنوان: “آسيا العربية في خطر”. أذكّر بذلك حتى لا أتهم بالحكمة بأثر رجعي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock