أفكار ومواقف

من أين نبدأ الإصلاح؟

ماذا نريدُ أن نُصلح، سؤالٌ قد يبدو بديهياً، لكنه سؤالٌ ضروريٌ للتأكدِ من سلامةِ الرؤيا ووضوحِ الهدفِ وتحديدِ نقطةِ بدايةِ الإصلاحِ والآليةِ المناسبةِ له.
اقتصادياً نريدُ أن نخرجَ من اقتصادِ الريعِ إلى اقتصادِ الإنتاجِ، نحتاجُ هنا تنويعَ مصادرِ دخلنا الوطنيِ بإحياءِ قطاعِ الزراعةِ والصناعةِ والسياحةِ، وفي هذا المجالِ نحتاجُ التحولَ فوراً للطاقةِ البديلةِ لخفضِ تكلفةِ الطاقةِ، وحلِ مشكلةِ المياهِ بمشاريعِ تحليةِ مياهٍ عملاقةٍ، وصيانةِ وبناءِ سدودٍ جديدةٍ، وكسرِ الاحتكارِ في قطاعِ الطاقةِ والمياه، وإحلالِ العمالةِ المحليةِ محلَ الوافدة، ومدِ خط سكةِ حديد من شمالِ الأردنِ لجنوبهِ.
سياسياً نحتاجُ الوصولَ لحكوماتٍ برلمانيةٍ، وهذه تحتاجُ أحزاباً برامجيةً، والأخيرةُ تحتاجُ إقرارَ الديمقراطية كمنهجٍ سياسيٍ معتمدٍ من الدولةِ قبل المواطنين غيرَ قابلٍ للرجوعِ عنهُ، ووقفَ منطقِ الأعطياتِ كبديلٍ للمعارضةِ السياسيةِ والاعترافِ بها باعتبارها ضرورةَ حكمٍ، ومقدمةً ضروريةً لتبادلِ السلطةِ، إضافةً إلى ترسيخِ المواطنةِ الفاعلةِ، واستدعاءِ الهويةِ الوطنيةِ الجامعةِ القائمةِ على مقاومةِ المشروعِ الصهيونيِ في الأردنِ باعتبارهِ خطراً وجودياً يُهددُ النظامَ والوطنَ والمواطنين.
عَبرَ أكثرِ من سبعين عاماً، ومع ضرورةِ الإقرارِ بانجازاتٍ كثيرةٍ للدولةِ على صعيدِ البنيةِ التحتيةِ والتنظيم، فقد تشكلت، لأسبابٍ محليةٍ وإقليميةٍ ودوليةٍ، تشوهاتٌ في الحياةِ العامةِ والحياةِ السياسيةِ ساهمت كلها في الوضعِ الاقتصاديِ والسياسيِ الذي نعيشهُ، أولُ هذه التشوهات تخلي الدولةِ عن قيادةِ العمليةِ التعليميةِ، ودونَ الدخولِ في التفاصيلِ، فقد تراجعَ التعليمُ نوعياً، وهنا فقدت الدولةُ أهمَ «حزبٍ لها»؛ المدرسةُ التي بواسطتها كانت لتزرعَ القيمَ التي تعاني من غيابها الآن، وهي قيمةُ سيادةِ القانونِ والمواطنةِ وقبولِ التنوعِ والتسامحِ وقَبولِ الآخرِ.
أيضاً ترويجُ الوظيفةِ على حسابِ الإبداعِ والريادةِ وتعظيمِ الثروةِ، فالأردنيُ رائدٌ في العملِ، ومعروفُ بتجاوزِ ظروفهِ الماديةِ نحوَ تعظيمِ ثروتهِ بواسطةِ التعليمِ. هذا الترويجُ ساهمَ في تضخيمِ القطاعِ العامِ مما كوّن إشكالاً حقيقياً للدولةِ، والأهم أنهُ حرمَ قطاعاً كبيراً من المواطنين- موظفي القطاعِ العامِ- من الانتقالِ طبقياً إلى طبقةِ الموسرينَ، الأمرُ الذي خلقَ فرقاً طبقياً صارَ مُهدداً حقيقياً للسلمِ المجتمعيِ.
غيابُ الدولةِ عن قيادةِ فترةِ الازدهارِ الاقتصاديِ في الثمانينيات، وانتشار وتشجيع ثقافةِ الاستهلاك، هل يعقلُ وجودُ عمالةٍ وافدةٍ في بلدٍ يعاني من بطالةٍ وصلت حسبَ التصريحاتِ الرسميةِ الـ 20 ٪، كيف يكونُ عندكَ بطالةٌ وعمالةٌ وافدةٌ في ذات الوقتِ؟ انتشارُ الواسطةِ والمحسوبيةِ، وقد تم ذلك بعدمِ تشجيعِ الحياةِ الحزبيةِ البرامجيةِ التي كانت ستشكلُ بديلاً للواسطةِ والمحسوبيةِ، فالمواطنُ عندما لا يجدُ قناةً مشروعةً للتواصلِ مع الدولةِ سيلجأُ للواسطةِ والمحسوبية، وعندما يكونُ راتبُ الموظفِ العامِ لا يكفي نصفَ شهرهِ، سيلجأُ «بعضهم للتنفع من وضعهِ الوظيفيِ»، وهذهِ بيئةٌ خصبةٌ للفسادِ والإفسادِ.
من نافلةِ القولِ أنَ الإصلاحَ سيرورةٌ تحتاجُ إلى وقتٍ وتحولاتٍ ثقافيةٍ وتعليميةٍ واقتصاديةٍ، ولهذا وعلى مستوى الإصلاحِ بعيدِ الأمدِ، اقترحُ اعتماداً وطنياً عاماً للأوراقِ الملكيةِ، وتحويلها من نقاشيةٍ إلى خطةِ عملٍ وطنيةٍ للدولةِ والحكوماتِ، تُطبقُ خلالَ مدةٍ زمنيةٍ محددةٍ مع التزامٍ نهائيٍ وبات غيرِ قابلٍ للرجوعِ عنهُ لتنفيذِ كلِ ما هو لازمٌ لتطبيقِ أهدافِ تلك الأوراقِ على الأرضِ، بما في ذلك تعديلُ القوانينِ ذاتِ العلاقةِ.
أما على المستوى الآنيِ نحتاجُ الآنَ وليسَ غداً بدءَ خطواتٍ إسعافيةٍ، بالهجومِ على نقاطٍ سريعةٍ من قِبلِ الحكومةِ وأقترحُ القائمةَ التاليةَ:
إعادةُ هيكلةِ العمالةِ الوافدةِ، وإحلال ما يقل عن 50 ٪ من العمالةِ الأردنيةِ مع نهاية هذا العام.
البدءُ فوراً بعملِ خطِ سكةِ حديدٍ من شمالِ الأردنِ لجنوبه، لأن ذلك يساهمُ في اندماجِ الناسِ، وتعميمِ فرصِ العملِ في الأردنِ، وخاصةً العاصمة وهو مشروعٌ يُشغلُ الشبابَ من كلِ المحافظاتِ.
كسرُ جميعِ الاحتكاراتِ في مجالاتِ الصحةِ والمواصلاتِ والطاقةِ والبنوكِ، وتشجيعِ المنافسةِ المشروعةِ وتكافؤ الفرص، وإعلانُ ثورةٍ في التعليمِ والتوجهِ نحوَ التعليمِ المهنيِ.
الأهمُ الأهم في نظري إعلانُ حالةٍ وطنيةٍ لسيادةِ القانونِ، ووقف كل تجاوزٍ عليه بداية من سرقةِ الماءِ والكهرباءِ والتهربِ الضريبي، وتخصيصُ محكمةٍ خاصةٍ للنظرِ في قضايا الفسادِ على أن لا تتجاوزَ مدةُ أي قضيةٍ ستةَ أشهرٍ. اللهم قد بلغت جنابك، اللهم فاشهد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock