أفكار ومواقف

“من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ”

حسني عايش

تضع كل دولة في العالم المعاصر أهدافاً للتربية والتعليم لكل مرحلة ونوع منهما، وكذلك التشريعات والإجراءات اللازمة لتحقيقها. وهي إما أن تؤدي إلى التنوير والتقدم، أو إلى تخليد الجهل والشقاء والتخلف. ويتوقف ذلك على فلسفة الدولة في التربية والتعليم عندما وضعت الأهداف وأقرت التشريعات واتخذت الإجراءات.

ومن ذلك – مثلاً– إيمان أصحاب القرار أو عدم إيمانهم بإلزامية التعليم ولجنس واحد أو للجنسين، وبمجانيته أو بكلفته، ومدى هذا الإلزام او الالتزام. فإذا كان التعليم الزامياً فإنه يعني إلزام الدولة للوالدين بإلحاق أطفالهم بالمدرسة، وإلا سيقوا إلى القضاء وهو ما هو غير معمول به في الأردن – للأسف- حتى اليوم. إنه يعني فيه أن التعليم التزام بمعنى أن الدولة الأردنية ملزمة بقبول الأطفال في سن التعليم الإلزامي إذا التحقوا بالمدرسة، أي أنها لا تجبر الوالدين على الحاقهم بها ولا تعاقبهم إذا لم يفعلوا.

ولمعرفة فيما إذا كان التعليم في الأردن الزاماً أو التزاماً كان على السلطة التربوية المعنية أو على الجامعات إجراء بحوث دورية لمعرفة عدد الأطفال الذين بقوا خارج المدرسة، وعدد الذين تسربوا منها في سن التعليم الإلزامي أو الالتزامي لاتخاذ القرارات الإدارية والتربوية اللازمة لمنع ذلك. هل يعرف أحد أو جهة في الأردن هذا العدد أو ذاك؟ ان لهذا وذاك علاقة بكفاءة التعليم الداخلية أي بنسبة الأطفال أنفسهم ممن هم في سن التعليم الإلزامي والالتزامي الذين يصلون إلى نهاية المرحلة الإلزامية؟ هل تبلغ النسبة تسعين في المائة أم خمسين في المائة أم عشرين؟ فما بالك إذا قسنا الكفاءة الداخلية بوصولهم هم أنفسهم إلى نهاية مرحلة التعليم العام، أو إلى نهاية الدرجة الجامعية الأولى ؟ فعندئذ قد نجد أن نسبتهم قد لا تصل إلى عشرة أو إلى خمسة في المائة. وللأسف لا أحد يسعف الدولة بهذه المعلومة أو يسعف الناقد بها على أهميتها وتداعياتها.

أما الكفاءة الخارجية للتعليم فتقاس بمدى ملائمة هذا التعليم لفرص العمل المتاحة في الدولة؟ هل هي مائة في المائة ام خمسون في المائة أم عشرة في المائة؟ للأسف لا توجد بحوث تدلنا على ذلك على أهميته وتداعياته. إذاً فقراراتنا في التريبة والتعليم خبط عشواء مبنية على الرغبة أو على الانطباع أو على الصوت العالي والصراخ.

في الماضي القريب وحتى نهاية العقد السابع أو الثامن من القرن العشرين كنا نخطط اقتصادياً لسنة كما في الموازنة، أو لخمس سنوات أو سبع أو عشر. وكان التخطيط ينجح إجمالاً، لأن المجتمع كان راكداً أي عندما كان الغد نسخة من الأمس، والجيل الراهن نسخة من الجيل السابق. لكننا لم نعد نستطيع التخطيط حتى لسنة واحدة منذ بدأ العصر الرقمي يطل علينا، لأن التغير صار سريعاً، بل متسارعاً، ونحن نركض وراءه ولا نمسك به. صار المستقبل يداهمنا، ولم نعد نسيطر عليه كما عليه الأمر في الأمس، فماذا نفعل وكيف نفعل؟

انظر كيف غير الهاتف الخلوي وما في حكمه حياتنا الشخصية والأسرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وربما السياسية. إنه سيصبح قريباً كل واحد منا سيكون، فكيف يكون التعليم بوجوده وتطوره: عن بعدٍ تام أم عن بعد وقرب معاً؟ وبأي مقدار؟ لعل التعليم التام عن بعد غير ممكن ما لم يصبح العمل والمجتمع كله عن بعد، وبحيث تعمل الأسرة ويتعلم الأطفال معاً في البيت. وبعبارة أخرى: إن هذا التغير المتسارع يداهمنا ونحن نقبل على أدواته، ولعل المطلوب هو استيعابه وتنقيته وإلا بقينا مكاننا والعالم قدامنا، فما رأيك إذا صارت الطبيعة نفسها تتغير أيضاً جراءعبث الإنسان فيها؟

كل هذا وذاك يجب أن ينعكس في التربية والتعليم من الحضانة إلى الجامعة، وإلا فإن القطار يفوتنا ونبقى واقفين على الرصيف، أو كنا مثل الذي قال عندما طلب منه تعلم السباحة: لن أنزل إلى الماء قبل تعلم السباحة. الأفضل أن نكون مثل ذلك المتزلج للأمواج الذي قال: إننا لا نستطيع رد الموجة، ولكننا نستطيع أن نركبها ونستمع بها. لعل هذا وذاك يستوجب إحداث مركز/ وظيفة في كل قطاع للتغيير، وتعيين وكيل له فيها (Change Agenl) يرى بعين زرقاء اليمامة.

المقال السابق للكاتب 

في الاستعطاء والعطاء

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock