أفكار ومواقف

من الإرهاب إلى البطالة ومن التطرف إلى الفقر

مواجهة الحراك الاجتماعي والشعبي والسلوك الإعلامي والسياسي الشبكي بالعداء ومحاولة التشتيت والإضعاف لا يفيد السلطة ولا يفيد الإصلاح، لكنها حالة تمثل فرصة كبيرة للاستماع الحقيقي والمنتج لاتجاهات الناس وأفكارهم وما يريدون وما لا يريدون، وقد أكد المواطنون بوضوح وعلى نحو متواصل منذ العام 2010 على أن ثمة فجوة كبرى بين الأولويات الوطنية البديهية وبين السياسات الحكومية وسلوكها السياسي والإعلامي الممعن في العزلة والتذاكي الخالي من الذكاء!
صحيح ان الحكومات نجحت في دفع الحراك والوعي الإصلاحي إلى متاهة وأدخلته في طرق مغلقة بلا خرائط، لكن مناسبات كثيرة مثل حراك المطالبين بالعمل تعود للتأكيد مرة أخرى على ضرورة العمل والإنفاق في الاتجاهات والأولويات الحقيقية، وصحيح أيضا أن الأولويات والمطالب تبدو مشتتة وفي بعض الأحيان متناقضة، والأسوأ من ذلك كله ليس لدينا دليل أو مرجع مشترك لنعرف ما تحقق من الإصلاح وما بقي، وما الذي نريده وما لا نريده وما نحتاج إليه وما لا نحتاج، وكيف نرتب أولوياتنا وتطلعاتنا في برنامج زمني تنفيذي. لكن مواصلة الحكومة الاعتماد على هذه الحقيقة تضعها هي أيضا في متاهة ومأزق، وتؤكد أزمة الديون الصغيرة وعمليات التسعير غير العادلة وغير الواضحة للمحروقات وأن الحكومة تستمر في تجاهل الاستماع، أو أنها لم تعد تسمع!
تشكلت منذ ثماني سنوات اتجاهات ومطالب لأجل انتخابات نيابية تؤدي إلى مجلس نيابي أكثر ثقة ومصداقية وتنبثق عنه حكومة أكثر تعبيرا عن المطالب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تضمنها الحراك الشعبي والسياسي على مدى أكثر من عشر سنوات، وتؤسس السلطتان التشريعية والتنفيذية لحياة سياسية جديدة؛ يفترض أن تحقق الرضا العام، وتقود البلاد إلى الخروج من الأزمة الاقتصادية. وبرغم منطقية الفكرة فإنها تعبر عن تأجيل الأزمة أو ترحيلها، أو أنها تقدم حلا سياسيا لأزمة اقتصادية واجتماعية، ولكنها أيضا يمكن ان تكون حلا صحيحا بشرط أن تقوم على برنامج اقتصادي واجتماعي، فلا فائدة من برلمان منتخب انتخابا نزيها وحكومة تعكس هذه الانتخابات النزيهة إذا لم يكن لدينا إدراك واضح وإجماع وطني على برنامج الإصلاح وطبيعته واولوياته،.. والأصعب من ذلك كله أنه ليس لدى البرنامج الإصلاحي الاقتصادي والسياسي قاعدة اجتماعية كافية تؤول إلى أحزاب وكتل وتجمعات سياسية قادرة على التعبير عن هذه البرامج والتحرك به في الانتخابات، ومن ثم فإن الانتخابات القادمة لا تعدنا حتى اليوم ببرامج وكتل تتنافس في الانتخابات وتحقق نتائج انتخابية ملموسة على أساس هذه الأفكار والبرامج، .. ليس لدينا في الحقيقة أحزاب سياسية تملك قواعد اجتماعية قادرة على التجمع والتحرك والتأثير وينتظر منها أن تحقق نتائج نيابية، الحركة الإسلامية لديها قاعدة اجتماعية واسعة ومؤثرة، ولكنها قاعدة لا تقوم على برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي، وإنما قاعدة تمنح ثقتها للجماعة إيمانا بمصداقيتها وقدرتها على أن تكون مظلة سياسية لجماعات سياسية واجتماعية.
السؤال الأساسي المحرك للإصلاح كيف تتشكل قواعد اجتماعية لأحزاب وبرامج سياسية واقتصادية، فالحالة القائمة أن ثمة برامج وأفكار ليس لها قاعدة اجتماعية، وقواعد اجتماعية ليس لها برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي!
لقد حققت الحكومات المتعاقبة (بلا استثناء) منذ الأزمة المالية الكبرى (2008) ثم أحداث الربيع العربي نجاحا كبيرا في العمل المضاد للوعي، بمعنى الحيلولة بين المجتمعات والاتجاهات السياسية والاجتماعية ومطالبها وبلورة أفكارها السياسية والاجتماعية، وللأمانة فإنها تظهر في ذلك كفاءة وذكاء مدهشين، لكن المحير كيف تتحول الحكومات في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمعيشية إلى حالة من صعوبات القراءة والتعلم!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock