أفكار ومواقف

من الطابق 99

يحمل غلاف رواية جنى فواز الحسن، “طابق 99″، صورة مبنى “الإمبايرستيت” في نيويورك، دُمجت تحته صورة مخيم للاجئين الفلسطينيين؛ لعله صبرا وشاتيلا، حيث نشأ “مجد” بطل الرواية، الذي كان وحيد أمّه وأبيه، وقتلت الأم الحامل بجنينها، في المجزرة العام 1982، بينما كان والده يحاول إسعافه في المستشفى. والنتيجة أنّه لا يعرف ماذا حصل لأمه وجنينها، فلم يُعثر على جثتها. أمّا هو؛ الطفل حينها، فخرج مشوهاً في وجهه، وقدمه “معطوبة”. وانتقل والده للمرحلة الثالثة من حياته؛ فالأب بدأ حياته أستاذ مدرسة في مدارس وكالة الغوث، وأهالي مخيم اللاجئين يحترمونه، ويأتون إلى بيته لزوجته الشابة، ليتوسط لهم هنا وهناك. ولكنه يأبى البقاء معلماً ويتحول لمقاتل؛ “إذا ما حملتش البارودي، بكونش فلسطيني”… “وتحولت بذلته العسكرية وكوفيته إلى مصدر للأمان”. وبعد المجزرة، يجد طريقة للهجرة إلى نيويورك، ويقول إنّ “أي قتال خارج أرضه عبثي”. ولا يقتنع أنّ زوجته ماتت، ولا يخبر ابنه أن الأم ذهبت للسماء والجنة، كما يحدث عندما يفقد الصغار أحد أبويهم، فَيُعزّونهم بالجنة؛ بل يؤكد له أنّ الأم دخلت فلسطين وتسكن قريتها “أبو سنان”.
قطن مجد مع والده، في حي هارلم الفقير، الشبيه بمخيم. عمل الأب في محل زهور، وأصبح معروفاً في الحي باسم “Arabo”. وفي “الإمبايرستيت” يلتقي مجد، هيلدا، الآتية من لبنان، لعائلة تنتمي لحزب الكتائب الذي ربما قام بالمذبحة، فينشأ الحب بينهما. وهي مثله هاربة، ولكن بقرارها؛ هَربَت للرقص الاستعراضي الغربي، من والدها الذي يواظب على إغراقها بالمال في نيويورك، ليضمن اعتماديتها عليه، وتركت خلفها شقيقة كانت فائقة الجمال، تورطت مع أصدقاء بالمخدرات، التي كان الأب يعطيها للمقاتلين وهو يرسلهم للحرب الأهلية، فجن جنونه وسجنها في البيت ورتّب لها زواجاً، وفرض عليها عزلة، وألّف قصصاً عن أخيه الذي انتحر “بعد أن قتل ثلاثة فلسطينيين أهانوه”.
يصبح مجد عبقري رسوم “الأنميشن”، ومكتبه في الطابق 99. ويتلذذ أن يفاجئ زبائنه والمتعاملين معه، بمظهره، ويشاهد الصدمة على وجوههم، ويرفض تجميل آثار المجزرة. أما عذابه بعد ذهابهم، فَتخيله أنه يمد يده ليلتقط طفلا من المخيم.
تتركه هيلدا، وهو كاره لسفرها، لتزور عائلتها، لترمم علاقتها بشقيقتها. وتجلس مع جورجيو الذي فقد عقله، فيواظب على النظر من “الطابق 99″، يراسل عبر البريد الإلكتروني ابن عمه في المخيم، يخبره قصص القذارة، والحب الفاشل في المخيم، ويفكر في فلسطين، “حيث أمه”.
بعد أسبوع من عودتي من غزة، هيمن على عقلي السجن الكلي الرؤية (Panopticon)، (كتبت عنه الأسبوع الماضي)، وهو فكرة فلسفية عن سجناء يجري إقناعهم أن الشرطي، من مكان مقابل السجن نصف الدائري، يراهم جميعاً، فيشعر الإنسان أنه مراقب دائماً.
هكذا كثيرون من الفلسطينيين في الضفة الغربية، يشعرون بنظام السيطرة المحيط، فلا يتمردون، ولكنهم يتحدون السجان ويَبقون، إلا فتية يتسللون ويهزأون من النظام والشرطي والحاجز والجدار. ولكن ما يلاحق الجميع حقا، والسجن الآخر، هو ذكريات وأعمار تضيع، وأناس يذهبون، يحاصرونك في الطابق 99، فيتحول العالم إلى “Panopticon”.
أقرأ مقال فيحاء عبدالهادي عن شقيقها فيصل هذا الأسبوع؛ شابٌ انضم للثورة، يعمل في التنظيم والتجنيد والتهيئة، مواظبٌ “كأنّه موظف”، تُخاطِبهُ في ذكرى رحيله العاشرة: “أعطيني علامة تقول إنّو الحنين بيزول”. وتتحدث عن البرد، وتخاطبه: “هلاّ تمد ذراعك أيها الحبيب والصديق/ لتنتشلني/ ولتدثرني بمعطفك؟”.
هل كان مجد في الطابق 99 يفكر بالمخيم وكفرياسين، بلد أبيه، وينادي أمّه “بحنين”: “دثريني”؟
صديقي المخرج الشاب الذي ولد قرب زمن المجزرة، يكتب هذا الأسبوع كيف يُسرق العمر بالعمل المكتبي، ويريد عمل فيلم عنوانه “البحث عن جورج قرمز”؛ مغني الثورة في السبعينيات، الذي نحاول معرفة من هو، وكتبتُ عنه يوماً، وكتب آخرون يتساءلون “من يكون؟”. ويريد فيلماً عن “العودة إلى ديمونا”، عن عملية خليل الوزير الأخيرة، 1988، ضد المفاعل النووي الإسرائيلي. وأجد طيف، شرف الطيبي، أول شهداء بيرزيت، الذي سمى أبو جهاد العملية باسمه، يراقبنا في كل ركن في الجامعة.
تخرج للطابق 99 فتشاهد زمناً جرى وضاع، ومن كان فيه: فيصل، وجورج، وشرف، ودلال، والآخرون، ذهبوا ولكنهم مكثوا فينا.
نبتعد فتحاصرنا، ويحاصروننا لنبتعد، فنتجذر أكثر!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock