ثقافة

“من الفصيح المهجور.. لهجة الكرك نموذجا”.. إصدار جديد لـ الكفاوين

عزيزة علي

عمان- ضمن منشورات مكتبة الأسرة الأردنية، صدر كتاب “من الفصيح المهجور- بحث في رد العامي في الأردن إلى الفصيح (لهجة محافظة الكرك نموذجا)”، لأستاذ علم اللغة في جامعة الحسين بن طلال الأكاديمي الأردني د. منصور عبدالكريم الكفاوين.
المؤلف يؤكد أن اختياره العامية الأردنية ليس ضربا من التعصب لها، ولا دعوة إلى اصطناعها في الحياة الثقافة، وإنما درسها بوصفها واقعا لغويا منطوقا، ما يزال حيا على ألسنة الناس؛ في محاولة لربط العامية في الأردن بأمها الفصيحة، وبيان مدى ارتباطها بالفصيح، أو بعدها عنها، مبينا أن العامية أو اللهجة الدارجة هي ميدان مهم للباحث اللغوي؛ لأنها تمدنا بنصوص لغوية وأنماط وصيغ وتراكيب منطوقة، وهذا المنطوق أهم من المكتوب، كما يؤكد اللسانيون المحدثون.
يقول الكفاوين، في مقدمة كتابه، إن اهتمامه بالعامية في الأردن، بدأ منذ أن كان طالبا في السنة الأولى في قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة الأردنية في العام 1981، حيث عرض الأمر على أساتذته، فشجعوه، وحفزوه على مواصلة الجمع والرصد والتتبع لهذه الألفاظ، مستعينا بكبار السن، من الأميين تحديدا، كما يقضي ذلك المنهج الوصفي في اللسانيات الحديثة، وتسجيل ذلك، والرجوع للمعجمات اللغوية المختلفة؛ لمعرفة مدى القرب بين ما هو منطوق فعلا في عاميتنا، وبين الفصيح.
ويواصل حديثه أن اهتمامه بهذا الموضوع، يعود إلى أسباب عديدة، منها أنه وجد غير واحد من البحثيين العرب المحدثين قد درسوا العاميات في عدد من الأقطار العربية، مثلا “مصر، العراق، اليمن، الخليج العربي، المغرب العربي، ليبيا، السودان، سورية، لبنان، فلسطين”، ولم يجد دراسة حول العامية في الأردن، مستغربا من صرف الباحثين في الأردن النظر عن دراسة اللهجات في الأردن درسا علميا، مؤكدا أنه لا يوجد بين الفصحى والعامية عداوة، بل هما متممتان، كل منهما للأخرى، وما تزال العامية منذ الزمان القديم شقيقة للفصيحة، مسايرة، معايشة لها، وقد تحتوي العامية على عنصر من أصالة البداوة الأولى التي تحفظ على اللغة جزالتها، ومتانتها، وجذور كينونتها.
ويتحدث المؤلف عن هدفه وهو “دراسة العامية في الأردن، وربطها بالفصيح بعد أن تبين أن نسبة كبيرة من الألفاظ والتراكيب المستعملة على ألسنة الناس في الأردن تنتمي إلى الفصيح، وترتبط به، وإن كثيرا مما يظنه الناس عاميا دارجا هو من صميم الفصحى، وإن أصاب بعضه شيء من التحريف، أو الإبدال، أو الحذف أو الزيادة”.
ويرى أن هناك الكثير من الألفاظ التي غدت من الماضي، فلو سألت شابا عن إحدى مفردات اللهجة فإنه لا يعرفها، ولا يعي دلالتها، وهكذا مع التسارع في التقنية الذي نشهده اليوم، لافتا الى أنه من أجل ربط هذا الجيل بتراثه وهويته اللغوية والثقافية واللغة، أهم أساس يجب ربط هذا الجيل به، ولا بأس أن يواكب التقديم والتقانة مع المحافظة على الأصالة والتراث ومنه تراثه اللغوي.
وعن السبب الذي دفعه للقيام بهذه الدراسة، يقول “الحفاظ على هذا الموروث اللغوي الفصيح من الضياع، والنسيان، وربطا للجيل الراهن بهويته اللغوية، ولهذا الجيل أن يفخر ويعتز بهذا التراث، وواجب الحفاظ عليه، ونقله بأمانة للأجيال المقبلة”، منوها إلى “أن استعمال العامي لم يبعد الكلمة الفصيحة عن مدلولها العربي السليم، فهو لم يشوهها بما يبعدها عن جرسها، وإيقاعها، والتغيير الذي يلحقها يكاد ينحصر في تغيير حركاتها، أو قلب بعض حروفها”.
يشير المؤلف إلى أن ما جاء في هذه الدراسة لا يمثل إلا جزءا يسيرا من المسموع المتداول من اللهجات الأردنية، واستقراء اللغة دائما يوصف بأنه ناقص، فلا أحد يستطيع أن يحيط بأقاصي اللغة، وما جاء في هذه الدراسة خاص باللهجة “الكركية” لأن فيها بعض المفردات المسموعة في مناطق أخرى من الأردن، وهذا ليس غريبا، ومن قبيل المشترك اللهجي في الأردن، وهذا أمر شائع في الأردن والأقطار العربية الأخرى كافة، أن تجد تشابها في بعض مفرداتها من حيث الدلالة، والصورة الصوتية لها، كما أنك تجد تبيانا وتمايزا بين بيئاتها اللغوية دلالة وصوتا.
وحول التخصص في الجانب الفصيح “المهجور”، والألفاظ التي ما تزال شائعة ومتداولة على ألسنة الناس في الأردن، تنتمي للفصيح، فـ”الفصيح” مما يتداول على ألسنة الأردنيين يظن أنه من العامي الدارج، رغم أنه فصيح دارج، أو فصيح مهجور.
ويتابع “أما المهجور فهو الذي حرم من الاستعمال الرسمي، وإن كان متداولا على ألسنة الناس، لكن التداولية لم تشفع لهذا الفصيح أن يأخذ حقه من الاستعمال الرسمي”، ويؤكد أنه في هذا الكتاب لا يدعو لاصطناع العامية في حياتنا الثقافية، ولا أن تزاحم الفصيح، بل لتأكيد فصاحتها تأصيلا لاستعمالها، ويمكن من خلال استعمالها في نصوص مكتوبة في مراحل التعليم المختلفة، وفي لغة الصحافة، وبأقلام الكتاب المقروئين، والأدباء المعروفين. ويمكن لكاتب مقروء أن يستعمل هذه الألفاظ الفصيحة، التي هجرها الاستعمال الرسمي، وأن يعيد لها حياتها.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock