أفكار ومواقف

من القاعدة إلى “القواعد”: العوائد والضرائب!

تطرح قصة اعتقال عبدالهادي العراقي، أحد أبرز القيادات العسكرية في تنظيم القاعدة المركزي أثناء عبوره تركيا إلى العراق، سؤالاً جوهرياً حول الأسباب التي تدفع “القيادة العليا” في شبكة القاعدة لإرسال مفتاح رئيس في نشاطها العسكري في أفغانستان إلى العراق؟ على الرغم من حاجتها الواضحة إليه في أفغانستان من ناحية، وقوة القاعدة في العراق من ناحية أخرى.


تتعدد احتمالات الإجابة على السؤال السابق؛ وربما توضح رواية مصطفى ابو اليزيد، القائد العسكري الجديد للقاعدة في افغانستان، جانباً من الإجابة يتمثل برغبة عبد الهادي نفسه بالسفر إلى العراق ليتولى قيادة القاعدة هناك، لكن بلا شك أنّ رغبة عبدالهادي وموافقة القيادة العليا لم تحصلا لولا أنّ هنالك شروطا موضوعية تتطلب وجود شخص مثله في العراق.


ما يعنينا في هذا السياق ملاحظة جوهرية تتمثل بالتحولات الجذرية التي طرأت على طبيعة عمل القاعدة منذ الضربة القاصمة التي تلقتها في الحرب الأفغانية أواخر عام 2001. فقد انتقلت القاعدة إلى حالة من اللامركزية الشديدة الهلامية على خلاف المراحل السابقة التي كان حضور المركز بقيادة بن لادن فيها ثقيلاً في التخطيط لمختلف النشاطات والأعمال الخطيرة للشبكة.


هذه التحولات البنيوية خلقت واقعاً جديداً تجاوز – على ما يبدو- رغبات وتصورات القاعدة المركزية، فأكثر الجماعات الجديدة التي تتبنى خطاب القاعدة ورسالتها لم تنتجها القاعدة ولم يكن قادتها أفراداً في القاعدة، وجميعها حديثة عهد بهذا الخطاب والنشاط المرتبط به، وقد يكون الزرقاوي هو الأقرب بين هؤلاء الأشخاص للقاعدة وعلى الرغم من ذلك لم يكن خافياً وجود خلافات كبيرة بينه وبين الرجل الثاني في التنظيم أيمن الظواهري؛ فكيف سيكون الحال بالجماعات الجديدة التي ظهرت مؤخراً، بصورة خاصة في المخيمات الفلسطينية، كظاهرة ممتاز دغمش في جيش الإسلام في غزة وشاكر العبسي ورفاقه في مخيم نهر البارد وقاعدة الشام والقواعد الأخرى في الشمال الافريقي؟


من الواضح أنّ شعور قيادات القاعدة في أفغانستان وباكستان بالحاجة الماسة إلى تعديلات في مسار القاعدة العراقية هو السبب الذي دفع بهم إلى إرسال أحد الأشخاص البارزين لديهم “عبدالهادي العراقي” لتولي شؤون التنظيم هناك، بعد أن تراجعت مكانة القاعدة في العراق لصالح التمثيل الجديد “دولة العراق الإسلامية” (بقيادة أبي عمر البغدادي) الذي وإن كان يمثل امتداداً لخطاب القاعدة إلاّ أنه ذو صبغة عراقية محلية أصبح فيها خليفة الزرقاوي (أبو حمزة المهاجر) مجرد وزير حرب وليس القائد الأول.


صحيح أنّ الصيغة الجديدة لتمثيل الامتداد الرسمي لتنظيم القاعدة جاءت في المرحلة الأخيرة من حياة الزرقاوي عندما أصبح أحد أفراد مجلس شورى المجاهدين، لكن هذا أيضاً مثّل جواباً على ظروف موضوعية فرضتها طبيعة العلاقة مع المجتمع السني، وتجاوز العراقيين دور المتلقي والتابع في القاعدة إلى مرحلة تولي القيادة بأنفسهم.


تتكرر ملامح “الحالة الزرقاوية” اليوم في المخيمات الفلسطينية التي تشهد بروزاً ملفتاً للجماعات “القاعدية”، وتتمثل المعطيات المشتركة في مختلف هذه الجماعات بوجود شخصية مفتاحية تمتلك سمات القيادة (شاكر العبسي- فتح الإسلام، ممتاز دغمش- جيش الإسلام)، توافر حاضنة اجتماعية (تمتاز بوجود ظروف من الإحباط والتهميش السياسي والظروف الاقتصادية المتردية، حالة من القلق الاجتماعي والسياسي)، طرف إقليمي يسهل أو يوفر شروط الدعم اللوجتسي لهذه الجماعات، وليس بالضرورة أن يكون هذا الطرف دولة فقد تكون منظمات وجماعات أو أفرادا متضامنين. وفي حال أظهرت هذه الجماعات قدرات ملحوظة على العمل والبقاء والاستمرار وتوسلت لتصبح جزءاً من الشبكة وقدمت أوراق اعتمادها للزعيم الأول فإنها غالباً ستحظى بالاعتراف والقبول، وتأخذ الصفة الرسمية، كما حدث مع حالة الزرقاوي في العراق، وكذلك في إعلان الظواهري لاحقاً انضمام قيادات من الجماعة الإسلامية المصرية والجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر إلى القاعدة.


تحاول القاعدة في مختلف الحالات أن تمد جسور التواصل والتوجيه مع الجماعات الجديدة لضبط خطابها ومسارها كي يتوازى ويتوازن مع الرؤية الاستراتيجية للقاعدة المركزية، وهنالك اليوم همزات وصل متعددة في مقدمتها شبكة الانترنت التي باتت إحدى أبرز أدوات القاعدة في نقل المعلومات والأفكار والاستراتيجيات وبناء شبكات الاتصال مع الأعضاء والمجموعات التابعة والقريبة، وهنالك أيضاً أشخاص ينتقلون بين المركز والأطراف ينقلون الرسائل والخطابات، لكن هذه الأدوات لا تشكل جميعها ضمانات لتوحيد الاتجاه والمسار، كما أنها توفر فرصة لحالات من الاختراق الأمني، في سياق لعبة أمنية دقيقة عالية التركيز والمستوى، ما قد يجعل من “القاعدة” ألعوبة بيد أطراف إقليمية مختلفة، ويكفي التذكير أن عدداً من قيادات الصف الأول من القاعدة معتقلون في إيران (كسيف العدل المسؤول العسكري السابق في القاعدة، ومعه نجل اسامة بن لادن)، والتذكير، كذلك، بقصة “أبو عدس” الذي كان ضحية لعبة أمنية واضحة للتغطية على جريمة اغتيال رفيق الحريري، كما تثار علامات استفهام موضوعية حقيقية عن علاقة الاستخبارات السورية اليوم بجماعة “فتح الإسلام” في بيروت.


المعضلة الحقيقية التي تفرضها ظاهرة “القواعد” الجديدة تتمثل في مدى القدرة على تحقيق تلك الجماعات للاستراتيجية التي يتبناها المركز، إلاّ أنّ هذه المعضلة تبدو معقدة ومرهقة بخاصة إذا نجحت التجارب الجديدة – التي تتباين في شروطها السياسية والذاتية والاجتماعية- ما قد يقلب الاختراقات الجديدة – التي حققها خطاب القاعدة في السنوات الأخيرة في مناطق متعددة من العالم العربي- إلى اختراقات للقاعدة نفسها، ويخلق مشهداً جديداً تعود فيه الصبغة المحلية أقوى بكثير من الصبغة الأممية للتنظيم التي قد تضيع في زحمة الانتشار!


[email protected]

تعليق واحد

  1. Thank you
    Good analysis. My concern is do they have a program for running a country if they get their hands on it? Do they have a political, social, or economical agenda? what can they offer the muslims? Probably we have to see how they managed Al Anbar Province before they left it to have a small example on that.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock