أفكار ومواقف

من المسؤول عن الاستقطاب.. الإعلام أم السياسة؟

يعد الاستقطاب السياسي سمة من سمات المراحل الانتقالية، ولا خوف منه إذا بقي في حدود طبيعة هذه المرحلة وأزماتها المتتابعة. ولكن، إذا ما طالت مرحلة الاستقطاب وأصبحت تنسحب على كافة المواقف السياسية والاجتماعية، فإنه حتماً يدخل في حالة من الجنون السياسي، والذي يدخل أي بلد مهما كان محصناً ديمقراطياً وأمنيا إلى حالة من الانقسام السياسي والاجتماعي. وربما تكون هذه الحالة أكثر خطورة في المنظور السياسي من الاستقطاب نفسه؛ فالانقسام يورث حالة سياسية شاذة قد تطول وتضرب عميقا في الثقافة السياسية وتنقلها الأجيال، وربما يتم تأطيرها قانونياً كما هو حادث في بعض البلدان.
إن الإعلام المهني ليس طرفاً في أي صراع، بل مجرد شاهد ينقل الأحداث. فعملية نقل الأخبار وإحاطة العامة بالمعلومات حول ما يجري في المشهد السياسي العام، لا تحتمل أن تكون استقطابا. لكن غياب معايير واضحة للمهنية، وتحديداً معايير التوازن وإدارة التحيز في المراحل الانتقالية، يجعل الإعلام جسراً للانتقال من ادارة النقاش الوطني العام إلى حالة الاستقطاب الحاد، يساعد على ذلك بالطبع شبكات التواصل الاجتماعي على الرغم من انها ليست الساحة المفضلة لنقاش النخب المسيسة لكنها تتحول إلى ادوات بأيدي هذه النخب للعب بالقواعد الاجتماعية العريضة. لكن علينا أن ننتبه أن معظم المحتوى الإعلامي في هذه الشبكات في اوقات الأزمات هو من صناعة الإعلام التقليدي.
التأطير الإعلامي يساهم في انتاج خطاب الاستقطاب وبالتالي الكراهية ونقل رسائل الاستقطاب ويساهم في ايجاد بيئات حاضنة له، ولا سيما في بيئات الصراع السياسي وفي اوقات الأزمات المزمنة، في المجتمعات التي تنطوي على تنوع ثقافي وديني مثل المجتمعات العربية تبرز وسائل إعلام تقود صناعة الاستقطاب وذلك من خلال اضفاء معان جديدة على الاحداث وتفسير الاحداث من منظور متطرف وصناعة الرموز وصياغة الصور الذهنية والتلاعب في وصف الاحداث وإضفاء ادوار على الفاعلين في المشهد السياسي.
لكن علينا أن ننتبه أن طبيعة الاخبار تبحث عن الصراع أي عن الموضوعات الاكثر اثارة والتي تحتل الاجندة الاخبارية، وتسبق لتحتل العناوين الرئيسة، بمعنى ان بنية الاستقطاب تتفق مع بنية الاخبار في الاثارة والرمزية وهذه الخاصية تسهل ان يقود الاستقطاب الاجندة الإعلامية حينما لا يكون الإعلام محصنا بالمهنية.
يصبح الإعلام اداة للاستقطاب حينما يصبح جزءا من اللعبة السياسية، ويصبح الإعلام حصانا شرسا يسابق احصنة اخرى حينما يركبه السياسيون ويقودونه الى حيث يشاءون، وحينما تتعب هذه الاحصنة وتترهل يركبون غيرها، يصبح الإعلام اداة طيعة لتقسيم المجتمع حينما يتنازل عن قيمه المهنية في الاتزان والدقة والمصداقية وبدل ان يكون دوره مراقبة جيوب السياسيين ورجال الاعمال يتحول الى مراقبة عقول الناس ويدخل في جيوب السياسيين والتجار.
اذن الإعلام المهني القائم على الاستقلالية والتنظيم الذاتي هو اكبر مقاوم للاستقطاب مهما كانت اغراءات السياسة ورداءة سلوك السياسيين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock