أفكار ومواقف

من بيت إلى منزل

ظلّت القرية والمدينة عبر التاريخ أشبه بالكتل المغلقة المتصلة بالأزقة والممرات بين البيوت الطينية المتلاصقة في القرى، أو الطينية والحجرية في المدن، بالإضافة إلى بعض القصور والقلاع هنا وهناك لأصحاب السلطة والمال فيها؟ وكانت الأسرة الممتدة أي التي تتكون من عدة أجيال تعيش في ما يشبه البيت الكبير المتكون من عدة غرف «وياخور» للماشية في القرية.
كان يقال في قريتنا – مثلاً– إنه لو هدم بيت الحاج يوسف في وسط القرية التي تلتصق به بقية البيوت بيتاً وراء الآخر لانهارت البيوت جميعاً. كان باستطاعة المرء ان يمشي على سطوح البيوت من أول القرية إلى آخرها دون حاجة إلى الهبوط لشدة هذا التلاصق.
أما المدينة فكان لها سور – عادة– بالإضافة إلى ذلك. وكان أمام كل بيت ساحة يدخل منها أهلها إلى بيوتهم، ويلتقون فيها بالزوار. كما كان يوجد وسط كل قرية دكان أو أكثر، وعلى جانبيه «قصص» يجلس عليها الرجال وقت الفراغ يتجاذبون أطراف الحديث، أو يلعبون «السيجة».
كان كل واحد يعرف جاره وجاره يعرفه وكان الجميع معروفين لبعضهم بعضا، وبعد الانتقال من الاقتصاد المختلط إلى الاقتصاد الحديث، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية بدأ نمط البناء ونمط الحياة بالتغير، وتغيرت القيم معهما أيضاً، فقد تحولت الأسرة الممتدة إلى أسرة ذرية لكل منها سكنها الخاص. كما أخذ الناس في المدينة يهجرون بيوتهم القديمة إلى بيوت جديدة أو شقق متجاورة في عمارة/ بناية ذات غرف وظيفية يصلها الماء بالأنابيب والكهرباء بالأسلاك.
ونظراً للتزايد السكاني ارتفع سعر الأرض كثيراً، مما جعل من الصعوبة على كثيرين امتلاك بيت مستقل. وقد أدى ذلك إلى ظهور الشركات الإسكانية التي اتبعت نمطاً هندسياً جديداً في البناء، وهو بناء العمارات السكنية ذات الشقق المتعددة والخدمات المشتركة وهكذا تغيرت القيم مرة أخرى. صار الساكن في احدها لا يعرف جاره أو لا يريد أن يعرفه، وإن كان مضطراً إلى ذلك لاستدامة الخدمات المشتركة. وبظهور العمارات السكنية ظهر نمط جديد واحد مختلف عن نظام التصميم في المدن السابقة. كانت المدن السابقة أجمل لاختلاف التصميم بين بيت وآخر. أما اليوم فقد اتخذ تصميم العمارات نمطاً هندسياً قبيحاً واحداً لتخفيض الكلفة. وكان لدخول التكنولوجيا وبخاصة الكهرباء والماء والسيارة والسوق تأثير كبير على التصميم والعمران.
وبعبارة أخرى حلت شركة الإسكان محل البناء الفردي. وصارت الأبنية ذات معايير واحدة. وبعض مفرداتها مسبقة الإعداد. وكما قال أحد المهندسين تحولت الضواحي الجديدة في المدن إلى مجرد مدن للنوم (Bedroom Cities) الخالية من البنية أو البيئة الاجتماعية. صارت الضواحي وكأنها مدن للاجئين من القرى الباحثين عن عمل وعن سكن. وهكذا تغيرت القيم مرة أخرى بتغيير الجيران، مما يمنع من إقامة علاقات جيدة طويلة المدى ضرورية للشعور بالانتماء.
كان النمط القديم من البناء يعبرّ عن الحركة البطيئة في التاريخ، أما النمط الجديد من البناء فيعبر عن السرعة وسهولة الحركة.
كان الناس في الماضي معروفين ومكشوفين لبعضهم بعضا، يحاولون الاحتفاظ بقدر من الخصوصية، فكان الإحساس الاجتماعي بالانتماء قوياً. غير ان هذا الأساس أخذ يقل بفقدان الانسان لجزء من طبيعته العامة (كل واحد في حاله) الضرورية للالتصاق والاحساس العميق بالانتماء. صار البديل إقامة حاجز أو حواجز أمام التواصل الاجتماعي توفيراً للخصوصية (المستباحة) ففي عصر السيارة السريع من البيت إلى العمل وبالعكس، لا يبقى ثمة وقت أو حتى رغبة حقيقية في التواصل الاجتماعي. لقد صارت الاشكال الاجتماعية تدور حول السيارة وعلى القدرة على المحافظة على الصداقة القليلة في بيئة جغرافية واسعة.
خصص البيت الحديث أو العمارة للسيارة مكاناً أوسع مما كان يخصصه الإنسان في الماضي لدابته. صار لها كراج واسع لا يحصل على سعته الفرد في الأسرة. صارت السيارة وكأنها جزء من الاسرة.
ويعلّق أحدهم على هذه الحالة فيقول ساخراً: إن السيارة التي حررتنا في البداية هي التي تستعبدنا في النهاية، وإن الإدمان على السيارة لا يجعلك ترى جيداً ما حولك. إنك لا تملك سوى ثوانٍ وأنت تعبر الطريق فلا تتذكر شيئاً. يجد المرء نفسه يعيش في بيئة عقيمة حيث ينحصر الإبداع المعماري في التفكير في خفض الكلفة.
والخلاصة كنا نعيش في بيت (Home) ثم صرنا نعيش في منزل (House)

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock