رأي اقتصادي

من تجويع إلى تجويع

من ذاكرة الحصار والتجويع في مخيم اليرموك بسورية لعام كامل، تقول اللاجئة السورية أم محمد -التي تعيش وأولادها الأربعة الآن في الصريح- إنها وجدت كميات من التين مليئة بالدود، حاولت تنظيفه لكنها فشلت. فانتظرت حتى جاء الليل وسادت العتمة، لتضع حبات التين أمام صغارها فيأكلوها من دون أن تقع عيونهم على ما يأكلون.
من تجويع إلى تجويع، وقصة المعاناة مفتوحة على فصول معقدة. فأم محمد مسؤولة عن أطفالها الأربعة وأمها المقعدة، فيما زوجها محاصر في دمشق. وبعد قرار برنامج الأغذية العالمي قطع المعونات الشهرية عنها، ضمن 12 ألف أسرة سورية في الأردن، فقد أمست بلا معيل. وهي لا تقوى على التوجه لمخيم الزعتري لكونها بلا زوج، في موازاة انسداد إمكانية العودة إلى سورية. باختصار، كان قرار برنامج الأغذية العالمي بمثابة رصاصة اخترقت عائلات بأكملها.
في التفاصيل، تعاني موازنة المفوضية العليا للاجئين من نقص كبير في الإمدادات اللازمة لإيواء اللاجئين السوريين، فلم يصل إلى صندوق مشاريع المفوضية إلا نحو 40 % من حاجة اللاجئين. والتقصير يشمل الولايات المتحدة وأوروبا، لكنه يأتي صادما وغير أخلاقي من الدول العربية التي تطرح أسماؤها ضمن قوائم المانحين لعمل المفوضية الإنساني والأخلاقي.
أكثر من سبعين ألف لاجئ سوري أمسوا بلا قسائم شهرية للغذاء. ولنا أن نتخيل البدائل التي سيلجأ إليها هؤلاء لسد احتياجات عائلاتهم، في ظل عدم السماح لهم بالعمل، وارتفاع كلف المعيشة. حتما ستكون الجريمة ملاذ بعضهم؛ فيتحول بذلك ملف اللجوء من ملف وتحد اقتصاديين، إلى تهديد أمني إن استمرت الأمور على المنوال الحالي.
لا يجد السوريون إجابات عن أسئلتهم المتكررة، وأولها: هل ثمة قصدية دولية، أو ربما مؤامرة، من وراء تجويع السوريين داخل بلادهم أو في شتاتهم المتزايد؟ وكيف يمكن للعالم، بقيادة أميركا، توفير مليارات الدولارات لملاحقة تنظيم “الدولة الإسلامية”، بينما يعجز اللاعبون ذاتهم عن توفير ملايين الدولارات للوفاء بالتزاماتهم تجاه متطلبات صمود الشعب السوري، وتمكينه من التكيف والعيش وفقا لأبسط شروط العيش، حتى تتحرر دولته من الفساد والاستبداد اللذين كانا سببا في كل هذا المشهد الدموي منذ أكثر من أربعين شهرا.
في الأثناء، تنشغل الدول الكبرى عن أطفال سورية الذين يموتون جوعا، بأمور أكثر اهمية من وجهة نظر هذه الدول. وساحة المواجهة تشمل حروبا اقتصادية، يُستخدم فيها سعر النفط سلاحا للضغط على دول أخرى. ومن المرجح أن يشهد العالم هبوطا أكثر حدة على سعر برميل النفط خلال الأشهر المقبلة، في سياق استراتيجية غربية تعاقب فيها الولايات المتحدة من تشاء.
لا معنى للتباكي العربي، وربما الأميركي والأوروبي، على مصلحة الشعب السوري، في الوقت الذي يعجز فيه هؤلاء مجتمعين عن توفير كسرة خبز لطفل لا ذنب له فيما يحصل من حوله. وصحيح أن الحروب تحمل الخيبات والخسارات، لكن ما يحدث للسوريين يصعب تصديقه أو التسليم به. ما المطلوب من أم محمد وأفراد عائلتها الذين أكلوا عشب الأرض لعام كامل أثناء حصار الغوطة؟ أن يفتشوا مجددا عن عشب الأرض في سهول حوران؟

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. بائع الضمير
    لايوجد تجويع حيث أن قطر الشقيقة ترسل يوميا آلاف الأطنان من التمور لمخيم الزعتري ماذا عساها أن تفعل أكثر من ذلك ربما بعض الفاسدين يأخذ هذا التمر

  2. الاردن ماكول مذموم
    الى خلدون اللة يخليلك قطر الشقيقة وتكبر بعزها مش قطر الشقيقة الي عملت الفتنة بسوريا ولا انا غلطان

السوق مغلق المؤشر 1858.16 0.52%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock