تحليل إخباري

من جرس المدرسة إلى 2030

ماسة الدلقموني
حقبة زمنية مجحفة في حق عملية التعلم الحقيقية عاشها الملايين من الطلاب تحت رحمة ضوضاء ذلك الجرس الذي يحدد بين الطنَّة والطنَّة ما سيوضع في العقول من محتوى أكاديمي مجرد بغض النظر عن اختلاف قدرات تلك العقول وطرق استيعابها وحالتها النفسية المرتبطة بظروفها الخاصة.
حصر ذلك الجرس أنظمة تعليمية هائلة لعقود ضمن حلقته تدور كالعنكبوت لتحبك شبكة جامدة محكمة وقع ويقع فيها كل من هو مختلف وربما كل مبدع حقيقي. نقطة. لا مجال اليوم للحديث عن هذه الحقبة فكل تربوي وأكاديمي وواضع سياسات يجزم أنها حتى في الدول المتأخرة هي اليوم في طور التأريخ.
من أهم المعطيات التي قام عليها هذا المقال هو أن البحث عن حل جذري بخلق نظام موحد يخدم عملية التعلم لم ينجح يوما عبر التاريخ، وأن البوصلة الحقيقية التي يجب أن توجه هذه المنصة الهائلة اليوم لإيجاد حلول تكمن بالإجابة على سؤال: كيف نعد القدرات البشرية لتجد مكانها الفاعل في بيئة عمل المستقبل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي!
بيئة الذكاء الاصطناعي اقتحمت عالمنا بلا معالم واضحة واضطرت دول العالم أجمع إلى التحرك نحو إعادة هيكلة اجتماعية واقتصادية وسياسية شاملة لفتح فرص عمل لا تعرف السلم الوظيفي، عمودها الأساسي الابتكار والتكيف والعمل الجماعي والمرونة، المكتب فيها لا وجود له، ولا طريق فيها لمن لا يؤمن حق الإيمان بالتعلم المستمر ولمن لا يعمل بكد لتطوير المهارات المختلفة!
تساؤل من بضعة سطور يدرك كل من يتمعن به أن أي جهود لترميم النظام التعليمي بمحاوره اليوم هي مضيعة للوقت والمال والجهد لأن التغيير المطلوب اليوم في هذا النظام الاجتماعي المعقد هو تغيير راديكالي بالمفهوم الإيجابي. فها نحن اليوم نشهد انهيارا شاملا في كل ما كان يقوم عليه النظام التعليمي من مسلمات كانهيار ممرات وأنفاق التعلم أحادية الوجهة المرسومة والمخططة بشهادات قد تصل إلى أن تكون اختيارية قريبا باستثناء بعض التخصصات المربوطة بموجب معايير مهنية كالطب والقانون، كما نشهد انهيار التحيز الأكاديمي – الذي سيطر لعقود وربما في عالمنا العربي ما تزال قبضته مهيمنة حتى اليوم – والذي مفاده أنه إذا لم يتم تعلم شيء ما «هنا» أو «في الفصل الدراسي» مع «وجود ختم معتمد يشهد بذلك»، فإنه ليس تعلمًا شرعيًا، ونضيف إلى القائمة انهيار الغرور الأكاديمي الذي ربط ولزمن طويل مستوى التعلم بالمستوى الاقتصادي للفرد وخاصة في مرحلة التعليم الجامعي، وأخيرا وليس آخرا انهيار أسس تقييم التعلم بشكلها السابق لتصبح طرق تفعيل المعرفة وربطها والابداع بها على أرض الواقع – التعلم التجريبي بالمشاريع – هو أسلوب التقييم لربما الأكثر فاعلية.
قد تكون المسلمة الوحيدة التي بقيت وستبقى رغم الاختلافات الجوهرية والخارجية على عملية التعلم في العصر القادم هي عدد الساعات التي يقضيها المتعلم سنويا لتكوين المعارف اللازمة لدخول في سوق العمل على عن طريق التقييم والتخطيط والتنفيذ وإعادة التقييم المستمر مدى الحياة.
إعادة هيكلة التعليم لم يعد مقتصرا على وزارة التربية والتعليم أو التعليم العالي فقط فهو بحاجة اليوم لبناء قنوات تواصل مفتوحة مع شتى الوزارات للعمل على توحيد الجهود نحو تسيير عملية التغيير التي لا بد أن تتصف بالمرونة الشديدة في عصر التعلم المشخصن والمفتوح.
اقترح دولة الدكتور عمر الرزاز سابقا في لقاء له تغيير اسم وزارة التربية والتعليم إلى وزارة التنشئة والتعلم واليوم وفي غضون سنوات قليلة وتغييرات مهولة قد تكون التسمية السليمة برأيي المتواضع للوزارة في الحقبة القادمة هي وزارة التوجيه وتصميم مسارات التعلم لتتمحور رسالتها حول دعم احتياجات المتعلم ورغباته وأهدافه. إن التحرك نحو إعادة الهيكلة هذه لا يمكن أن يتم بوجود النظام البيروقراطي المسيطر على وزاراتنا اليوم، فزعزعة هذه النظام – الذي قد يكون قد خدمنا سابقا – يعد من الأولويات للتحرك نحو مستقبل واعد بعيد كل البعد عن التخطيط الرجعي القائم على رسم الاستراتيجيات من المستوى العلوي نزولا إلى المستوى السفلي في التسلسل الهرمي والاتجاه نحو التخطيط التشاركي القائم على حشد الفكر والعقول حول دائرة مستديرة في القطاعات لمختلف الأطراف والفئات المتأثرة بشكل مباشر أو غير مباشر بالنتيجة المرجوة ليتم خلق قوة دافعة معتمدة على شعور كل فرد بأنه فاعل وعنصر مهم في هذه العملية فبدون هذا المحرك نقع في مطب مقاومة التغيير لنبقى عالقين في دوامة مفرغة بين استراتيجيات بالكاد ترى الشمس.

*متخصصة في القيادة التعليمية المتقدمة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock