صحافة عبرية

من ذا يريد السلام أصلا؟

معاريف


عوفر شيلح 25/1/2011


إن مدوّنة الوثائق المسرّبة للسلطة الفلسطينية، التي توثق مواقفها في مفاوضة إسرائيل في العقد الأخير لم تُبسط كاملة – وأخذ كل لاعب في الحلبة يشعر بأنها تقوي الموقف الذي اتخذه سلفا. فحماس ترى السلطة متعاونة جبانة مع إسرائيل، وافيغدور ليبرمان على ثقة من أن الوثائق تشهد فقط بمبلغ كون التسوية غير ممكنة. ويُخيل للناظر الموضوعي إذا كان موجودا أصلا أنها تبرهن على مبلغ ضآلة الفرق بين مواقف إسرائيل ومواقف السلطة بعد نحو من عشرين سنة من التفاوض: نسب ضئيلة من الأرض وأعداد ضئيلة من اللاجئين يُسمح لهم بالعودة إلى إسرائيل وهكذا دواليك، مشكلة أساسية بعد مشكلة أساسية. القليل جدا يفصل والاتفاق بعيد كثيرا.


لو كان الحديث عن تفاوض أعمالي لانتهى الأمر منذ زمن. ففي هذا النوع من الحوار يعترف الطرفان سلفا بالربح الذي سيجنيانه من الصفقة: كلاهما يريدها برغم أن كل واحد مستعد للتخلي عنها إذا لم تُلبَ مطالبه الدُنيا. ولهذا فإن السؤال الحقيقي المتعلق بالتفاوض الاسرائيلي الفلسطيني ليس هو ما الفرق بين الطرفين بل هل يريد أحد اتفاقا حقا.


يقول لنفسه كل من نشأ هنا: بالتأكيد. فالإسرائيليون رُبوا على الطموح إلى السلام، والفلسطينيون على الطموح الى الاستقلال. والزعماء يريدون ترك أثر في التاريخ. لكن إذا كان هذا صحيحا فكيف لا ينجحون في ردم الهوّة الضئيلة بين 5.7 في المائة من الارض و6.8 في المائة؟ أيسقط السلام كل مرة من أجل هذا حقا؟.


يُخيل إلي أن لا. يحسن أن نتذكر في هذا السياق أن أولمرت بدأ محادثات السلام مع الفلسطينيين عندما كان رئيس حكومة مضروبا من جهة عامة بعد حرب لبنان الثانية وقُبيل تحقيقات الشرطة. مثل باراك حقا الذي بالغ في محادثات طابا بعد أن تقلص ائتلافه إلى نحو ربع الكنيست وكانت الانتخابات التي أُبعد بها قد أصبحت قريبة. إن الزعماء الاسرائيليين الأقوياء يمضون على نحو عام إلى خطوات من جانب واحد: جدار الفصل، وخطة الانفصال والانطواء الذي خطط له أولمرت. ويتركون الاقتراحات الجريئة للتسوية للوقت الذي لا تكون فيه عملية تماما.


والصورة عند الطرف الثاني ليست أفضل. فلو أراد أبو مازن تسوية حقا لانقض على مقترحات اولمرت – ليفني كمن يجد غنيمة كبيرة وحشد ضغطا دوليا على اسرائيل لتحسينها من جهته في التفاوض النهائي. الأفكار المهادنة التي طرحها مندوبوه في المحادثات كما كُشف عنها في وثائق “الجزيرة” تبدو أكثر مثل لعبة وهمية في تفاوض أشخاص يعلمون أن الأمر لن ينضج البتة ليصبح شيئا يضطرون الى الوقوف من ورائه. والاستنتاج واحد وهو ان الزعماء يريدون التحادث وإجراء التفاوض وأن يتهموا بعد ذلك الطرف الثاني باخفاقه. لا يريدون حقا – أو لا يستطيعون الثبات لثمن – القرار على تسوية حقيقية.


والسخرية المرة هي أن الشعوب في الطرفين قد وافقت منذ زمن على المخطط الممكن الوحيد للتسوية وهو العودة الى حدود 1967 مع تغييرات طفيفة، والحفاظ الفلسطيني على فكرة حق العودة لكن بغير عودة فعلية للاجئين إلى إسرائيل، والاهتمام باحتياجات إسرائيل الأمنية والحل الدولي لمشكلة القدس. يحظى هذا المخطط منذ عقد تقريبا لدى الطرفين بأكثرية صلبة في استطلاعات الرأي، توافق على أن هذا ما سيكون وما يجب أن يكون. وتقول تلك الأكثرية أيضا إن هذا لن يحدث في أيامها.


لا يُحتاج من أجل القفز من فوق هاوية عدم الثقة هذه الى أفكار بل إلى شجاعة وزعامة. هذا ما ينقص قُرب مائدة التفاوض وفي الغرف التي تُتخذ فيها القرارات، لا الحلول الخلاقة لمشاكل أصبح حلها معروفا منذ زمن.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock