أفكار ومواقف

من زاوية أنثى رواية عن التحولات الأردنية

يقدم محمد العمري في روايته “من زاوية أنثى” التي صدرت مؤخرا عن دار “الآن” استيعابا تجريبيا للوعي والتحولات في الأردن وخاصة بالنسبة للجيل الذي ولد في أوائل السبعينيات، أولئك الذين كانوا على مقاعد الدراسة الجامعية عندما وقعت مجموعة من الأحداث الكبرى التي ماتزال تتفاعل اجتماعيا وسياسيا وتنشئ متوالية معقدة من الأفكار والعلاقات،.. وإضافة إلى ذلك فإن الرواية سرد مقطعي عميق وممتع لمجموعة كبيرة من الأحداث والتشكلات بأسلوب التداعيات، وبمداخل متعددة في عرض الحدث الواحد وتقييمه وفهمه.
برغم أن جيل السبعينيات نشأ في بيئة من التحولات الحضرية والاقتصادية الكبرى التي شهدها الأردن في منتصف السبعينيات، لكن ذاكرة الأحداث والأوضاع السابقة ألقت بظلال كثيفة وثقيلة على هذا الجيل حسب حضورها في ذاكرة ورواية العمري وكأنهم شهدوا الأحداث السابقة وشاركوا فيها، ولعلها لفتة عميقة وجميلة ومدعاة للتساؤل والتأمل؛ كيف يحمل جيل ذاكرة وأحداثا لم يشهدها؟ كيف يواصل تداعياتها ومتوالياتها وكأنه يحملها في جيناته؟ الأحداث لا تنقضي أبدا، لا شيء يفنى في هذا العالم، لكنه يظل في الفضاء، بل ويندمج في سلسلة الـ “دي إن ايه” مثل سجل حي دقيق يؤثر في التكوين البيولوجي والعقلي، إننا ننمو في هذه الأحداث والذكريات ونتشكل على نحو نهائي ثم تنتقل هذه التشكلات في الأجيال، وكأننا نحمل إرثا متراكما من الذكريات والأحداث منذ الأزل.
هكذا يلتقي الجيل القادم من الريف والبادية والمدن والهجرات في موجة جديدة وكبرى من التحولات، عندما تحولت عمان إلى الأردن، وأقفرت المدن والبلدات والقرى من أهلها وأعمالها.. لينشئ الناس من جديد مسارا جديدا للمجتمعات، .. العائدون من الخليج بعد الغزو العراقي للكويت (1990) والناهضون من الحظر والنسيان والنفي لينخرطوا في حياة سياسية واجتماعية جديدة أسست لها الانتخابات النيابية العام 1989 والتي ماتزال حتى اليوم لحظة بداية وتأسيس للحياة السياسية الأردنية.
ترمز سعدية (ربما) إلى الأردن الجديد الذي تشكل في التسعينيات.. ابنة أب مهاجر من أفريقيا وأم حضرمية، وتعيش يتيمة في كنف عائلة كركية مهاجرة إلى عمان، وتنخرط في جماعة يسارية فلسطينية، وتتزوج من شاب قادم من الشمال ليدرس القانون في الجامعة الأردنية، ينتمي إلى تيار وسطي ترعاه السلطة السياسية، ثم يصير وزيرا وشخصية سياسية وعامة مرموقة. لكننا أيضا برغم قوة وعمق تجربتنا وما فيها من تسامح وتعايش واندماج لم نعرف طريقنا بعد، كنا نمضي في الخوف والغموض، ظلت عمان مدينة ممتدة بلا قلب، وأثقلتنا السنون والصدمات، ومضينا إلى الهرم والخرف كما لو أن السنوات العشرين الممتدة بين حرب الخليج والربيع العربي قرن من الزمان، كأن القرن العشرين انتهى العام 1989 وانتهى القرن الحادي والعشرون العام 2010 .. يدرك العمري التحولات من داخلها، وفي ذلك شعور عميق بالتفاصيل وغياب (ربما) عن الفضاء الكلي، إذ لم تتطور عمان مستقلة عن العالم، ولم يتحول الأردن والأردنيون باختيارهم وفي مسار خطي وطبيعي أو متوقع. والزمن بما هو جزء أساسي في التكوين والتحول لم يفسح لنا بعد أن نستوعب كل ما حدث، فقد كانت أحداثا وتحولات كبرى وعميقة عصفت بكل شيء تقريبا.
ففي واقع الحال انتهى العالم الذي نضج في القرن السابع عشر بانهيار جدار برلين العام 1989، وكما غيرت المطبعة والآلة البخارية عالم الزراعة الذي ظل راسخا مستقرا أكثر من اثني عشر ألف سنة، فقد غير الكمبيوتر عالم الصناعة، وعلى نحو ما فإن ظافر وسعدية يرمزان إلى الأردن المتعولم بل وإلى العالم نفسه، والإنسان المتعولم ووعيه بذاته الجريحة، فهو قبل أن يفيق من صدمة دارون وفرويد بأنه حيوان يجهل نفسه؛ يجد أنه اليوم ليس سوى أصفار وآحاد، هذا هو اقتراحي في القضية على رأي عادل إمام في مسرحية “شاهد ما شافش حاجة”، ولعلنا جميعا مثله شهود نعيش الأحداث ولا نراها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock