أفكار ومواقف

من ضيق “التربية” إلى رحابة “المعارف”

توفّر الاستراتيجيّة الوطنيّة لتنمية الموارد البشريّة خطّةً متكاملةً لمعالجة آفة تراجع التعليم التي تهدّد مستقبل الأردن، وتنذر بتدهورٍ سينعكس خراباً على جميع مناحي الحياة في المملكة. تنفيذ توصيات هذه الاستراتيجيّة مسؤوليّةٌ يجب أن تضعها الحكومة في مقدّم أولويّاتها. ذاك أنّ حجم الانهيار في العمليّة التعليميّة بات خطراً يمثّل نكرانه جريمةً بحقّ البلد.
تشكّل الاستراتيجيّة الجهد المتكامل الأوّل لمعالجة الأزمة من جذورها. والأزمة كبيرة. الأرقام التي أشارت إليها جلالة الملكة رانيا العبدالله بمناسبة إطلاق الاستراتيجيّة ترفع الغطاء عن بشاعة الحال التي انتهت إليها العمليّة التعليميّة بكلّ جوانبها. فالتراجع في مستوى الخرّيجين يتفاقم. النسبة الأعلى من المعلّمين انتقلوا من قاعات الجامعات طلبةً إلى الغرف الصفيّة في المدارس معلّمين من دون أن يمرّوا بدورةٍ تأهيليّةٍ واحدةٍ. المناهج غيّبت العقول والتفكير النقدي. والبيئة المدرسية مترهّلةٌ طاردةٌ تدفع الطلبة إلى كره المدارس.
أراد جلالة الملك حلّاً شاملاً يحمي مستقبل البلد من هذه الكارثة حين كلّف لجنةً خاصّةً وضْع استراتيجيّة تنمية الموارد البشريّة. أكملت اللجنة مهمّتها، وقدّمت خريطة طريقٍ تعد بقلب واقع التعليم خلال عشر سنوات. المطلوب الآن تطبيق الاستراتيجيّة من دون خوفٍ أو استرضائيّةٍ تقود إلى عدم التزام المعالجات الجريئة التي تقترحها، فتقوّضها.
وواقع الحال أنّ الاسترضائيّة التي اعتمدها مسؤولون وحكوماتٌ سابقةٌ، حمايةً لمصالحهم وخوفاً من تحمّل المسؤوليّة، أفشلت عديد خططٍ وبرامج عملٍ لمعالجة القصور وتطوير الأداء في مختلف القطاعات. لكنّ الضرر الأكبر جاء من إهمال التعليم. الآن صارت في اليد خطّةٌ متكاملةٌ لإنقاذ أجيال المستقبل من تلك الخطيئة. عدم تبنّي تلك الخطّة من الحكومة ومن كلّ مؤسسات الدولة أو المساومة على توصياتها إسهامٌ في حرمان أبناء المملكة من المستقبل الذي يستحقّون.
لا شكّ أنّ الاستراتيجيّة ستواجه مقاومةً وانتقاداتٍ من بعضٍ يخشى التطوير وآخر يدّعي احتكار الفهم والحقيقة ويسعى لفرض دكتاتوريّةٍ ثقافيّةٍ ركائزها التطّرف والانغلاق والإقصائية. لكنّ الإصلاح الذي تطرحه سيحظى بدعم الأكثريّة من الآباء والأمّهات الذين يريدون الأفضل لأبنائهم، شرط أن يعرفوا حجم الخير الكامن فيها.
لذلك لا يجب أن يتوقّف التعريف بالاستراتيجيّة عند الحفل الذي رعاه جلالة الملك وحضرته جلالة الملكة. ثمّة مسؤوليّةٌ على الحكومة أن تطوّر برنامج تواصلٍ يفسّر الاستراتيجيّة للناس، ويعرّي كذب حملات التشويه التي بدأ دعاة الظلام يشنّونها على عمليّة الإصلاح التعليميّة ومنطلقاتها ونتائجها المنشودة.
فكما ذكّرت جلالة الملكة، كنزنا الحقيقي “مدفونٌ في عقول أبنائنا وعلينا أن نستخرجه”، حالَ الضعف وسوء التخطيط والجهل دون تحقيق المملكة الاستفادة المثلى من هذا الكنز. توصيات الاستراتيجية، خصوصاً تلك التي تشدّد على تأهيل المعلّمين وتدريبهم، وبناء المؤسسات المؤهلة إدارة العملية التعليميّة وتطويرها، وتنقية المناهج من سموم التطرّف والرفضويّة التي اخترقتها، ستعظّم الفائدة العامّة من كنز الأردن الأكبر.
وباختصار، فإنّ الاستراتيجيّة المقترحة تعيد وضع العمليّة التعليميّة في إطار “دائرة المعارف” القائمة على التفكير والانفتاح على الآراء والعلوم، وتحرّرها من عقليّة “التربية” القائمة على التلقين وتغييب العقل.
في هذا إنقاذٌ لمستقبل الأردن.
وإصلاحٌ بهذا العمق وهذا الأثر يجب أن يكون على رأس البرنامج الذي ستطلب الحكومة ثقة مجلس النوّاب القادم على أساسه. وسيكون على مجلس النوّاب واجب حجب الثقة عن الحكومة إن لم تقدّم برنامجاً واضحاً لتنفيذ الاستراتيجيّة وتوصياتها، التي تستحقّ الإشادة جهداً موضوعيّاً شاملاً لم يجامل أو يهادن في مصلحة الأردن وأبنائه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock