ترجمات

من طرابلس إلى طهران

لي سميث – (ذا ويكلي ستاندارد) 31/10/2011

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

لم يكن قتل معمر القذافي أمراً سهلاً. وما قال الرئيس أوباما إنه سيستغرق أياماً، طال لثمانية شهور. في البداية لم تبد الإدارة أنها فهمت أن هدف الناتو لحماية المدنيين المنتفضين ضد حكم المستبد الليبي الذي طال 40 عاماً يتطلب إلقاء القبض على، أو قتل الرجل الذي كان على الأرجح يؤذيهم. ولسوء الطالع، يبدو أن منحنى التعلم هنا هو نوع المعيار اللازم حتى تفهم واشنطن الدولة الشرق أوسطية الأكثر ترجيحاً لأن تقتل الأميركيين -جمهورية إيران الإسلامية.
ما نزال نطري على البيت الأبيض لأنه استطاع أخيراً الإمساك بالقذافي. وفي الأثناء، يسدل إعدامه على أيدي الثوار الليبيين الستار على فصل أسود في التاريخ، فصل شهد قتل المئات من المواطنين الأميركيين في أعمال إرهاب رعاها ووجهها القذافي؛ بما في ذلك تفجير (طائرة) لوكيربي المعروفة أكثر ما يكون في العام 1988. وتقف مشاعرنا بشكل رئيسي مع عائلات وأصدقاء أولئك الذين قتلوا أيدي عملاء القذافي. ولا غرو، فالعدالة التي تلقوها الآن أصبحت نهائية، ولا تمكن خيانتها مرة أخرى كما كان الحال قبل عامين، عندما تم الإفراج عن ضابط المخابرات الليبي عبد الباسط المقرحي من سجن اسكتلندي، وعاد إلى وطنه ليحظى باستقبال الأبطال. وقد اتضح لاحقاً أن الإفراج عن المقرحي كان الثمن الذي دفعته الحكومة البريطانية نظير صفقة نفط محتملة، حيث تحمل أقارب ضحايا القذافي الكلفة. ومن المؤكد أن لندن لعبت دورا بارزا في حملة الناتو ضد القذافي. لكن صفقة المقرحي يجب أن تذكرنا بأن مصالحنا لا تصطف دائما مع مصالح حلفائنا.
إن فكرة القيادة الأميركية لا تتركز على أن نتولى القيادة، لكننا نقوم بذلك بهدف الحفاظ على الأمن الأميركي وتقدمه، خصوصا حماية المواطنين الأميركيين. ولو لم يكن هذا الهدف أولوية بالنسبة للبريطانيين، فإنه بالتأكيد لن يكون مهماً بالنسبة، قل، للروس والصينيين. وإذن، لماذا تضيع إدارة أوباما وقتاً ثميناً وهي تسعى للحصول على دعم من موسكو والصين لجهودها الرامية إلى عزل إيران؟
عندما يتأمل المرء في احتراف القذافي للإرهاب المعادي لأميركا، يصبح الهجوم الأكبر، بل والأخطر كثيراً على الولايات المتحدة أكثر وضوحاً: حرب جمهورية إيران الإسلامية التي طالت لعقود ضد أميركا. وعلى ضوء جهود طهران في الأعوام العديدة الماضية في كل من العراق وأفغانستان، نرى أن نظام الملالي وحاشيته من الحرس الثوري، ربما يكونون مسؤولين عن عدد أكبر كثيراً من القتلى الأميركيين مقارنة مع القذافي. وقد أجبر الائتلاف الذي قادته الولايات المتحدة ضد صدام حسين، أجبر القذافي على التخلي عن برنامجه للأسلحة النووية، لكن الإيرانيين مضوا قدما في برنامجهم الخاص.
من حق البيت الأبيض أن يفتخر بإسقاط القذافي من دون المخاطرة بحيوات القوات البرية الأميركية. وتعتقد الإدارة الأميركية بأن ليبيا تعد أنموذجاً جديراً لاستعراض القوة الأميركية. ويقول نائب مستشار الأمن القومي الأميركي بن رودز: “إن ما نتحرك في اتجاهه هو استخدام مستهدف للقوة على نحو أكثر بكثير، حيث نوظف القوة المباشرة ضد القذافي، وكذلك ضد كل أولئك الذين يشكلون خطراً مباشراً على الولايات المتحدة، ثم نؤطر العمل الجمعي ضد التحديات الأمنية الكونية”. لكن تلك ليست هي الطريقة التي ستجري بها الأمور مع إيران. بدلاً من ذلك، سوف تجد الولايات المتحدة نفسها في صراع ضخم ومدمر مع الجمهورية الإسلامية.
يظهر المخطط الذي كان معداً لقتل السفير السعودي في مطعم في واشنطن أن الإيرانيين أصبحوا أكثر جسارة. والاعتقاد الغرائبي بأن إدارة مكافحة المخدرات؛ ومكتب التحقيقات الفدرالي (إف.بي.آي)؛ ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، قد أساءت من ناحية أساسية بناء العملية الإيرانية في تفصيلاتها وفي أصولها، يظهر هذا الاعتقاد أن النخب الأميركية أصبحت أكثر تركيزاً في جهودها لاستبعاد تأكيد النوايا والطموحات الإيرانية. ومن الناحية الفعلية، ترانا قد نفذنا حملة تضليل إعلامي ضد أنفسنا، والتي استمررنا خلالها بالقول إن الماء الذي أوشك على الوصول إلى نقطة الغليان، إنما يصبح أدفأ قليلاً فحسب. لكن الإيرانيين، مع ذلك، يرون الأمر بوضوح أكثر: لقد ردع الأميركيون أنفسهم بأنفسهم، وسوف يتراجعون أكثر متى ما حزنا على القنبلة (الذرية).
ولن يجلب العدوانية الإيراني والتفكير الأميركي الحالم السلام، وإنما الحرب. وقد غضب هتلر من تشامبرلين عندما ذهب البريطانيون في نهاية المطاف إلى الحرب بعد غزو بولندا، ولم يكن هناك شيء في السلوك الماضي للحلفاء يوحي بأنهم سيفعلون أي شيء غير إرضاء الدكتاتور الألماني. ونستطيع في الأثناء، تصور المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي وهو ينتابه الغضب على نحو مشابه عندما نقوم بعمل ما ضد النظام الإيراني. وسوف يلاحظ الإيرانيون محقين: لم يفعل الأميركيون شيئا لوقفنا في السابق، ليس عندما قصفنا سفارتهم في بيروت وثكنات قوات بحريتهم، ليس في العراق ولا في أفغانستان، وليس عندما تآمرنا لقتل المبعوث السعودي بغض النظر عن الخسائر الأميركية في العاصمة الأميركية.
ومع ذلك، وفي يوم ما قريب، سوف يتخطى الإيرانيون الخط، ولن يكون أمام الرئيس الأميركي أي خيار سوى الرد الانتقامي -حتى ولو كانت القنبلة بحوزة الإيرانيين. ولن يكون هناك وقت عندها لـ”العمل الجمعي” الذي يتحدث عنه أوباما ونوابه، لأن وقت “العمل الجمعي” هو الآن.
ولا يعني العمل الجمعي جلب الروس والصينيين غير القابلين للزحزحة إلى الطاولة. إنه يعني تعقب معسكرات الحرس الثوري. وهو يعني زعزعة استقرار حليفة إيران؛ سورية، عبر خلق منطقة حظر طيران هناك تحمي المعارضة السورية وتساعد على إسقاط بشار الأسد. إن العمل الجمعي يعني استخدام كل طريقة وتكتيك ممكن لزعزعة استقرار النظام الإيراني من خلال العمل مع الحلفاء في داخل إيران وخارجها. وهو يعني فعل كل شيء ممكن لضمان تجريد آية الله علي خامنئي من لباسه الديني، ليكون ثاني دكتاتور شرق أوسطي يتم سحبه من حفرة في الأرض.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: From Tripoli to Tehran

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock