أفكار ومواقف

من فكر المصالحة الضرورية

على بعد أمتار من ميدان التحرير الذي أعاد له المصريون الأحرار وهج ثورة 25 يناير، في محاولة لإعادة حماية الثورة التي حاول البعض اختطافها، يفترض أن يلتقي في القاهرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، لاستكمال خطوات المصالحة التي انطلقت في 4 أيار (مايو) الماضي، من دون أن تخطو حتى الآن خطوة عملية واحدة إلى الأمام.
ومن ضمير الثورة التي تتجدد في ميدان التحرير، وتتعمد بدماء الثوار، وفي صدى صوتهم الذي سيسمعه القادة الفلسطينيون، والذين يلعبون بالوقت وكأنه في صالح شعبهم، يتطلع الشعب الفلسطيني لأن يتجاوز الفصيلان ما علق بمسيرة النضال الفلسطيني، وأن يطويا صفحة الانقسام البغيض الذي جعل الشعب شعبين، والحكومة حكومتين، وقطع أوتار التواصل ما بين الضفة الفلسطينية والقطاع المحاصر، وجاء خدمة مجانية للاحتلال الإسرائيلي.
لكن، ورغم أجواء التفاؤل التي يحرص الطرفان على نشرها، فإن هذا التحرك باتجاه المصالحة تنتظره مجموعة من التحديات.
أول هذه التحديات أن لدى كل من فتح وحماس تيارا قويا استمرأ حالة الانقسام، وبنى عليها مصالح ومكاسب، ويرى بالمقابل في استعادة الوحدة تدميراً لمصالحه ومكاسبه هذه. فمن هم في غزة يرون في استعادة الوحدة نهاية لنفوذهم الذي بنوه منذ الانقسام، وعودة لنفوذ فتح لتكون شريكاً أو بديلاً منهم. وبعض من في رام الله وفّر لهم الانقسام أجواء الخلاص من مناكفات حماس، وفرصة الاستفراد بالسلطة ومغانمها، ولا يرغبون في عودة كابوس الشراكة الثنائية القائمة على المنازعات والمشاحنات اليومية. والتياران يملكان من القوة ما يمكنهما من أن يحرفا أي اتفاق قد يتوصل إليه عباس ومشعل عن مساره، ويفرغاه من مضمونه.
ثاني التحديات عوائق عربية وإقليمية ودولية، لا ترغب في أن تستعيد الحالة الفلسطينية وحدتها الداخلية، وأن تستقوي في مسيرتها السياسية بهذه الوحدة وبتطورات الربيع العربي. من هنا بدأت الإنذارات إلى عباس تصدر عن تل أبيب وواشنطن، كما أن أجواء طهران لا تعبر عن ارتياح من مواقف مشعل، حيث برز ذلك في المؤتمر الدولي لدعم القضية الفلسطينية حين انتقدت خطابا لمشعل، أبدى فيه تأييده لمواقف عباس في الأمم المتحدة.
ثالث التحديات ما سيشهده جانب من العلاقات الفلسطينية من خلط للأوراق، وبخاصة على ضفة “التحالف” الذي يضم نظرياً حماس إلى عدد من الفصائل المنشقة عن منظمة التحرير الفلسطينية.
أما رابع التحديات فيتعلق بالصيغة التي ستقوم مستقبلاً عليها العلاقة بين فتح وحماس: ثنائية على مبدأ المحاصصة وتهميش الآخرين، أو استقطاب ثنائي يعكر الأجواء الداخلية ويوترها.
هذا فضلاً عن التحديات التي تنتظر الطرفين في القاهرة لتجاوز عقبات الوصول إلى اتفاق. وفي كل الأحوال، ما تزال تفصلنا عن اللقاء ونتائجه ساعات قليلة، ستمكّن من قراءة الحالة من دون الارتهان إلى افتراضات مسبقة مستمدة من تجارب الماضي، وأبرزها عندما أقسم الفصيلان ومن خلف حاجز زجاجي أمام الكعبة المشرفة أن يلتزما بالعمل الوحدوي، وبعد أقل من شهر سال الدم الفلسطيني غزيرا في قطاع غزة، عندما انقلبت حماس على السلطة، وطردت شريكها شر طردة.
القيادة الفلسطينية تذهب إلى المصالحة وهي تعرف تماماً أنها تركب الخطر استناداً إلى رفض إسرائيل والولايات المتحدة لتحقيق المصالحة. وإذا كان مفهوماً أن إسرائيل تعارض بقوة المصالحة الفلسطينية لأنها تنطوي على فشل أكيد للمخططات الإسرائيلية الرامية إلى فصل غزة عن الضفة والإطاحة بإمكانية تحقيق الدولة الفلسطينية، فإن الموقف الأميركي الذي صدر عن الرئيس أوباما، ويعتبر المصالحة عقبة في طريق السلام، هو موقف غير مفهوم وغير مبرر، ولا يمكن قبوله إلا من باب الدعم الأعمى للسياسات والمواقف الإسرائيلية.
المصالحة أصبحت ممكنة التحقيق، وممكنة التطوير، والأهم هو أن تنفتح هذه العملية على الكل الوطني، وبأفق وطني يتجاوز المحاصصة، وأن يدرك الكل الوطني أنها تستحق أن يدفع من أجل تحقيقها ثمناً، وأعتقد أن الشعب الفلسطيني قادر على احتماله، وعلى اعتبار أن استعادة الوحدة تشكل أولى الأولويات والخيارات، وبخاصة أنه بات معيباً أن يبقى الحال على ما هو عليه في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة، والتغييرات المرتقبة في أكثر من بلد عربي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock