مكرم أحمد الطراونة

 أوجاع الأردن والأردنيين كثيرة؛ اقتصاديا وصحيا ومعيشيا، وهذه الأوجاع ساهمت إلى حد كبير في اتساع الفجوة بين الناس ومؤسسات دولتهم، فهم يبحثون عن نهضة وطنية تبعث في قلوبهم الطمأنينة على حياتهم واستقرار بلدهم ومستقبل أبنائهم، وهذا لن يتأتى إلا بعد أن يتخلص من سياسة الاعتماد على المنح والمساعدات الخارجية.
عند كل منحنى مفصلي نشعر بالألم من تخاذل الحكومات المتواصل، واتساع الفجوة بين الشارع والحكومات التي تفشل في تأدية رسالتها وتطبيق رؤى القيادة والناس، لكننا دائما نتوحد أمام أمرين اثنين؛ الأول أمن واستقرار الدولة داخليا، والثاني عند الحديث عن لاءات الأردن الثلاث بشأن القضية الفلسطينية.
من حق كل أردني اليوم أن يؤمن بأن الأردن بالنسبة له “أولا”، بما يمثله ذلك من مصالح الدولة، استقرارها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وأمنها، وقد عشنا سنوات طويلة ننظر لدول عديدة وكأنها جزء من كينونة هذه الدولة، لهم ما لنا، فيما هم يبحثون عن مصالحهم الذاتية. وعند الحديث عن فلسطين فهي عنوان لاستقرار الأردن، ورسالة الدولة واضحة بهذا الشأن.
يدفع الأردن، ودفع، وسيدفع ثمنا غاليا لمواقفه تجاه القضية الفلسطينية، لم يكن أولها بسبب رفضه لصفقة القرن، ولن يكون آخرها لتمسكه بالوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة، ولن يقبل بغير حل الدولتين إذا ما أراد العالم استقرار وأمن المنطقة بمجملها. هذا الثمن الذي يحمله الأردن سيتقاسمه معه أبناء شعبه عن طيب خاطر ورضا. هذا الشعب التواق إلى إصلاح البيت الداخلي من أجل وطن أكثر قوة وإرادة في مواجهة ما نتعرض له من ابتزاز وضغوطات.
الملك ألقى كلمة في قمة “نداء كرايست تشيرش” أول من أمس، قال فيها إن ما ينتج عن الانتهاكات الخطيرة التي ترتكبها إسرائيل ضد المسجد الأقصى المبارك والمقدسيين من عنف، يهدد الاستقرار والأمن. هذا التحذير لم يكن الأول من نوعه، فقد أكد عليه جلالته في معظم المنابر العالمية منذ سنوات. ما يحدث اليوم هو نتيجة حتمية لعدم الاستماع إلى صوت العقل، ولا أحد يعلم إلى أين ستؤول الأمور إن ظل العالم غير مكترث للاستماع!
في الأثناء كانت القوات المسلحة الأردنية وبالتنسيق مع الهيئة الخيرية الهاشمية ترسل شاحنة محملة بالأدوية والمعدات الطبية الضرورية إلى مستشفى المقاصد الخيرية في مدينة القدس. كما تعزز الخدمات الطبية الملكية كوادرها الطبية والتمريضية في المستشفى الميداني في غزة وجميع المحطات العلاجية في الضفة الغربية لتكون جاهزة لاستقبال جميع الحالات المرضية والإصابات وحسب التطورات الميدانية ولمساندة الجهود الطبية للأشقاء.
في الوقت ذاته، كان آلاف الأردنيين يزحفون نحو الحدود الفلسطينية نصرة للأقصى، فالتقى النبض الرسمي بالشعبي، بعيدا عن مهاترات البعض ممن حاولوا المساس بهذه الوحدة عبر بث سمومهم. وزير الداخلية مازن الفراية اعتبر، بصفته الرسمية، أن الفعاليّات التضامنيّة الشعبيّة التي أقيمت نصرةً للأشقاء الفلسطينيين كانت في مجملها مثالاً يحتذى في التعبير عن الموقف الأردني الثابت والراسخ تجاه القضيّة الفلسطينيّة.
بقي القول، إن الشباب الأردني الذي توجه إلى الحدود خلال اليومين الماضيين شباب حي، لم يمت بفعل الـ”تك توك” و”تويتر” و”انستغرام” والـ”فيسبوك”، وهو ما كنا نعتقد أن أولوياته باتت البحث عن وظيفة وحياة رغدة، والتركيز على “اللايكات”، والمتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، وأنهم بمثابة أموات، فقد بدا واضحا قدرته على حمل رسالة الدولة تجاه القضية الأم، وتجاه الثوابت الأردنية.
هذا الجيل الذي أثبت عكس ما كنا نتوقع، يحتاج اليوم إلى رعاية خاصة، وقواعد اشتباك مختلفة، ومخاطبته بما يريد، وبالآلية التي يرتاح إليها، وتغيير الصورة النمطية المكونة بحقه. اليوم أثبت هذا الجيل أنه قادر على أن يكون جزءا أساسيا من منظومة التطور التي نبحث عنها، ولم نجد بعد من يقودها باحترافية. التفتوا إلى هؤلاء جيدا فهم ذخيرة البلد الحية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock