فكر وأديان

من مستقبل بيت المقدس في السنة النبوية

أسامة شحادة

تتوالى التحليلات السياسية والسيناريوهات اليوم لمستقبل بيت المقدس وفلسطين وفي ظل الكثير الكثير من المقالات والمقابلات الرافضة والمنددة للاعتداءات اليهودية المتكررة على المسجد الأقصى وعموم فلسطين والفلسطينيين والتي تكاثرت خاصة بعد اعلان ترامب عن خطته للقضية الفلسطينية والتي سميت بصفقة القرن وذلك بحضور “النتن ياهو”.
في ظل كل هذا الحديث السياسي والمترواح بين العواطف الغاضبة أو المحاولات للبحث عن مخرج وحلول ممكنة أو الدعوات طرح خطوات وحلول القليل منها مجدى وممكن تحقيقه أو دعوات الاستسلام والقبول بالهزيمة، يكون من المهم استحضار الخطاب الديني الشرعي في قضية فلسطين عامة وبيت المقدس خاصة.
وذلك أن هذه القضية جوهرها الدين والشرع مهما حاولوا إلباسها لبوس السياسة والاقتصاد أو العلمنة والحداثة أو القومية والتاريخ!
بل إن جوهر الحياة البشرية هو قضية دينية شرعية لها صور سياسية واقتصادية “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” (الذاريات: 56)، وقال تعالى أيضا: “ليبلوكم أيكم أحسن عملا” (الملك: 2)، فالسياسات والاقتصاد والتحالفات والحروب كلها داخلة في امتحان وابتلاء العبادة هل تكون بما يرضى الله عز وجل ومما يعد حسنا عند الله عز وجل.
ولذلك فإن تاريخ فلسطين وبيت المقدس تاريخ ممتد في الماضي والحاضر والمستقبل وسيشهد الكثير الكثير من الأحداث الضخمة ذات الدلالات السياسية والاقتصادية والتي ترتبط ارتباطا وثيق الصلة بالدين والشرع.
وفيما يلى خمسة أحاديث نبوية صحيحة تتعلق بالمستقبل السياسي والاقتصادي لبيت المقدس اخذتها من كتاب “الأربعون الفلسطينية” للأستاذ جهاد العايش وذلك حتى نوازن طوفان التحليلات السياسية القاتمة بسبب حالة العجز والضعف والتفرق والتشتت بضوء الأمل وحبل اليقين بالنصر والتمكين إذا جمعنا الإيمان الصادق والأسباب الصحيحة للقوة من العلم والعمل والتخطيط والتعاون والوحدة.
1 – استمرار هجرة المسلمين لفلسطين وبيت المقدس: فعن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم” رواه أبو داود وصححه الألباني.
وفي هذا الحديث إشارة واضحة إلى ارتباط أرض فلسطين بأبو الأنبياء وارتباط المؤمنين بها واتخاذها دار هجرة لهم إلى نهاية العالم.
وفي الحديث إشارة لزوال الاحتلال اليهودي كما زال من قبله الاحتلال الصليبي، والحديث يؤكد حقيقة تاريخية وواقعية وهي كون فلسطين وبيت المقدس مقصد لكثير من الهجرات، فقد استوطن فلسطين عدد من الصحابة والتابعين عند الفتح العمري لها، وكذلك استوطن بيت المقدس أقوام شتى في عهد الفتح الصلاحي لها، كما أن كثير من الححاج والمعتمرين أقاموا وجاوروا فيها ولم يعودوا لأوطانهم رغبة في بركتها وفضلها.
2 – بيت المقدس ستشهد عمرانا كبيرا في المستقبل: فعن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال، وخروج الدجال” رواه أبو داود وأحمد وصححه الألباني.
والحديث ينص على مستقبل عمراني كبير لبيت المقدس في ظل الإسلام كما أن المدينة المنورة اليوم تشهد نهضة عمرانية ضخمة، وفي هذا بشارة أن حالة التضييق اليهودية على أهل بيت المقدس لن تستمر من منع صيانة وتوسعة المسجد الأقصى أو بيوت وأسواق المقدسيين، وعسى أن يكون هذا قريبا عاجلا بإذنه تعالى.
3 – هذا العمران لبيت المقدس وكونها مقصد الهجرات للمؤمنين سيجعلها مقر للخلافة الإسلامية: فعن عبدالله بن حوالة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “يا ابن حوالة؛ إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة، فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك” رواه احمد وابو داود والحاكم وصححه الالباني.
وهذا الحديث يؤكد الدور السياسي الكبير القادم في فلسطين وبيت المقدس حيث سيكون لها دور كبير وستكون مقر للخلافة النبوية الراشدة وغالبا ذلك زمن المهدي وعيسي عليه السلام.
4 – لن يتمكن الدجال من دخول المسجد الأقصى: أخرج أحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أنذرتكم فتنة الدجال…لا يأتي أربعة مساجد الكعبة ومسجد الرسول والمسجد الأقصى والطور” وصححه الألباني.
وهذا يتسق مع كون بيت المقدس مقر الخلافة ومأوى الطائفة المنصورة، وفي الحديث ملمح بين أن بيت المقدس الذي ينجيه الله عز وجل وأهله من فتنة الدجال بالتأكيد سينجيه الله وأهله من بلاء اليهود ولكن في ذلك اختبار لهم واصطفاء للشهداء والمجاهدين وعقوبة للمقصرين والمعرضين عن نصرة دين ومسجد رب العالمين.
5 – وأيضا فإنه على اعتاب بيت المقدس يهلك الله عز وجل يأجوج ومأجوج: فعن النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء! ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر -وهو جبل بيت المقدس- فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما… فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى” فرسى أي قتلى، رواه مسلم.
وهذا الحديث يؤكد مرة أخرى على مركزية فلسطين وبيت المقدس في التاريخ المستقبلي ويؤكد على الطابع الديني للصراع حيث بلغ الفجور بقوم يأجوح ومأجوج لمحاربة أهل السماء! ويكون دعاء عيسي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين سبب هلاك هؤلاء القوم المفسدين.
وفي الختام إن الغاية من هذه التذكرة بهذه الأحاديث النبوية شحذ الهمم في وجه المؤامرات اليهودية المعاصرة والتيقن أنها بلاء وامتحان عارض سرعان ما يزول إذا قام أهل الإيمان بواجبهم الصحيح بشكل سليم وتام، وأن لفلسطين وبيت المقدس مستقبل كبير ومشرق وفيه أحداث جسام لن يتم عبوره إلا باجتماع الإيمان الصحيح والعمل السليم المتقن.
والموفق اليوم هو من وفقه الله عز وجل ليجمع بين الأمرين وبذلك يحقق واجب الوقت وينال شرف نصرة بيت المقدس.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock