ترجمات

من هم أكبر الخاسرين والكاسبين من ربيع العرب؟

غراهام فولر – (كريستيان ساينس مونيتور) 18/11/2011

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مَن هم الفائزون والخاسرون من الاضطرابات الهائلة والدراماتيكية التي تجرى الآن في الشرق الأوسط؟ بالنسبة للمواطنين في العالم العربي، قد تكون الطريق إلى الأمام ما تزال وعرة ولا يمكن التنبؤ بتضاريسها، لكن الأحداث تعرض مكسباً كبيراً في فكرة الانفصال عن النُظم القديمة الجامدة العقيمة، والقمعية.
ولكن، ومع انهيار النظام القديم في الشرق الأوسط على الصعيد الدولي، من هو الذي يفوز ومن الذي يخسر في هذه المرحلة؟
الخاسر الأكبر هي إسرائيل. ثمة العديد من الحكام المستبدين القديمين الذين كانوا يعملون بمال الولايات المتحدة ودعمها السياسي في مقابل إبقاء عيونهم مفتوحة على المنطقة، والذين بدأوا يسقطون الآن، ويرجح أن يذهب المزيد منهم مع مرور الوقت. ولم يعد بوسع إسرائيل الآن أن تعتمد على إمكانية الاستمرار في رحلة ركوبها المجاني باتجاه استئناف سياستها الرامية إلى الاحتفاظ باحتلالها للأراضي الفلسطينية إلى أجل غير مسمى.
بدون شك، وفي حال سقط بشار الأسد في سورية وذهب إلى أكل التراب، كما يبدو مرجحاً، فإن شخصاً بارزاً معادياً لإسرائيل سوف يختفي بذهابه. لكن تاريخ سورية لا يعرض لنا أي ذرة من السبب للاعتقاد بأن قدوم نظام سني قومي جديد في دمشق، مدعوماً بعناصر من جماعة الإخوان المُسلمين، سوف ينظر إلى إسرائيل بتساهل أكبر من السيد الأسد. وفي واقع الأمر، سوف يضمن صعود القوى الشعبية في أي دولة عربية تقريباً ظهور سياسات أكثر تشدداً تجاه إسرائيل، من خلال معارضة إبقائها على الوضع الفلسطيني الراهن -وهو الرمز الأكثر بروزاً للظلم في نظر جميع المسلمين.
 ولا يعني ذلك القول بأن الانتشار البطيء للديمقراطيات ربما لا يكون في المستقبل البعيد جيداً لإسرائيل. لكنه يمكن أن يكون جيداً لها فقط إذا ما تحركت مبتعدة بشكل جاد عن سياسات اليمين المتطرف والفصل العنصري التي تتبناها الآن، باتجاه نظام أكثر سخاء وترتيبات سياسية واجتماعية أكثر انتفاحاً، والتي تقوم بتحرير الفلسطينيين. لكن مثل هذا الحدث لم يظهر بعد في الأفق السياسي الإسرائيلي في الوقت الراهن.
أما الخاسر الأكبر الثاني من الربيع العربي، هي الولايات المتحدة الأميركية. والأسباب بسيطة: لقد أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى بالنسبة لواشنطن أن تستمر في ممارسة سياسة النفوذ والسيطرة، في الوقت الذي تصبح فيه الشعوب العربية أكثر تمكناً فيما يتعلق بانتخاب قادتها. وفي الوقت الحالي، تعكس الآراء الشعبية مشاعر الغضب والإحباط التي دامت طوال عقود -بل قرون- ضد السيطرة الاستعمارية الغربية، والتي أصبح يتربع على قمتها الآن عقد كامل من الحروب التي خاضتها أميركا على التراب الإسلامي، في إطار بحثها الوهمي عن حل عسكري لمسألة الإرهاب المعادي للغرب.
سوف لن تنتخب الجماهير العربية في المدى القريب زعماء موالين للأميركيين؛ وفي الحقيقة، يبدو الإسلاميون وأنهم سيكونون المستفيدين الأكثر احتمالاً من التغيير، جنباً إلى جنب مع القوميين. وعلاوة على ذلك، أصبح يُنظر إلى أميركا كقوة آفلة، مع قدرة متناقصة على السيطرة على الأحداث. وكما هو الحال مع إسرائيل، يمكن أن تأتي أي أنباء جيدة بالنسبة للولايات المتحدة في العالم العربي فقط عندما تتخلى واشنطن عن محاولاتها التي لا تنتهي للتدخل من أجل صياغة وتشكيل الأحداث الإقليمية والسياسات المحلية في الشرق الأوسط لتكون على هواها، وعلى عكس رغبات معظم المواطنين في المنطقة.
الخاسر الأكبر الثالث هي ايران. فقد كان سكان منطقة الشرق الأوسط ينظرون إلى الثورة الإيرانية للعام 1979 (وبالتأكيد ليس الحكام العرب المستبدين المُوالين للولايات المتحدة) بوصفها حدثاً مذهلاً يؤشر على إعلان الاستقلال الإقليمي ضد الهيمنة الأميركية، التي كانت تتجسد جوهرياً في حُكم شاه إيران. وقد أعلت الجمهورية الإسلامية من شأن القضية الفلسطينية في الوقت الذي لم يجرؤ فيه الطغاة العرب الموالون للولايات المتحدة على القيام بذلك. ودعت إيران إلى ثورة شعبية، وإلى صعود حركات التحرر الوطني مثل حماس، وتلك المقاومة للنفوذ الإسرائيلي مثل حزب الله، وهو ما أثار حماسة الشعوب العربية الغارقة في مستنقع العجز.
ومع ذلك، تنكر النظام الإيراني نفسه في السنوات القليلة الماضية للكثير من القيم التي كان يمجّدها في الخارج، مثل حرية الشعب. ومع قدوم الربيع العربي، لم يعد بوسع إيران أن تزعم لنفسها أي احتكار، بل وأقل بكثير حين يتعلق الموضوع بقيادة أي اتجاهات لمكافحة الاستبداد في المنطقة. وفي واقع الأمر، وإذا كان هناك أي نموذج يمكن الحديث عنه للمنطقة، فهو الآن تركيا، الناجحة بامتياز في المجالات الاقتصادية والسياسية، والمستعدة للتحدث بمزيد من المسؤولية والمصداقية حول إخفاقات إسرائيل -وواشنطن.
لكن إيران ليست هي الخاسر المطلق في نهاية المطاف، لأنها ما تزال تدافع عن مبادئ السيادة الوطنية والاعتزاز القومي؛ وما يزال نظامها السياسي، مع كل فظاظته وأوجه قصوره، أكثر ديمقراطية من أنظمة معظم الدول الأخرى في الشرق الأوسط اليوم. إنها تجري انتخابات مهمة تحدث فرقاً.
وماذا عن الكاسبين؟ الشعوب العربية بكل تأكيد، على الرغم من أنه لن يجري توزيع فوائد النُظم السياسية الجديدة بالتساوي، وأن المسار القادم ربما يكون شديد الوعورة –بينما يختبر المواطنون العرب فرصتهم الأولى لمعرفة كيفية ممارسة شكل من أشكال السيادة والحكم الذاتي. لكن عليهم أن يفعلوا ذلك بأنفسهم، ولعل آخر شيء يحتاجونه في هذه المرحلة هو المزيد من الأنظمة الجديدة المفروضة عليهم من قبل القوى الغربية التي تسعى إلى تحقيق مصالحها الخارجية الضيقة.
وثمة مجموعة ثانية من الكاسبين هي القوى المتوسطة الناشئة حديثاً -الدول مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل وتركيا وكندا وغيرها في مجموعة العشرين- التي تجد نفسها الآن في عالم متعدد الأقطاب ناشئ حديثاً، والذي يفسح المزيد من المتسع للمشاركة في لعبة موازين القوى الدولية الجديدة الأكثر تعقيداً بكثير. وفي حين أن الولايات المتحدة تبقى الخاسر النهائي هنا من حيث فقدان الهيمنة المطلقة، فإن الرغبة في إعادة ترتيب الضوابط والتوازنات على المستوى الدولي ليست أقل من الرغبة في مراجعتها على المستوى الأميركي الداخلي.
وتستطيع أوروبا أيضاً العثور على أدوار هادفة ومسؤولة لنفسها ضمن هذا النظام العالمي الجديد، ولكن ليس إذا ظلت تنظر بلا جدوى إلى حلف شمال الاطلسي (الناتو) على أنه وسيلة جديدة وأكثر دهاءً لفرض المشاريع الغربية على الشرق الأوسط.

*نائب الرئيس السابق لمجلس الاستخبارات القومي في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Who are the biggest losers and winners coming out of the Arab Spring؟

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock