أفكار ومواقف

من هم القادة الاجتماعيون اليوم؟

أظهرت الأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية تراجع قدرة الأحزاب والنقابات والقيادات السياسية عن التأثير في الشباب والمجتمعات، وأنها لم تعد نخبا تلهم الأجيال وتقودهم نحو التجمع والعمل، وهي تكاد تكون ظاهرة عالمية وصفها بدقة عنوان كتاب كارن روس “الثورة بلا قيادات” وحتى الحالة العشائرية السائدة فإنها تظهر أيضا الحالة نفسها من الفوضى وغياب القيادة التقليدية، هي في الواقع عشائر بلا قيادات.
تستمد القيادة والإلهام في العمل العام والسياسي والاجتماعي من المواقف والنجاح، لكن الشرط الموضوعي الأساسي هو الاستقلال السياسي والاقتصادي للعمل العام غير الحكومي، وفي غياب قدرة الجماعات السياسية والاجتماعية على الاستقلال الاقتصادي فإنها ستكون عاجزة عن إنشاء حالة حقيقية مؤثرة في السياسات والتشريعات أو القدرة على التوازن والتنافس بين مكونات الدولة والمجتمع، وسيكون في مقدور السلطة التأثير الكبير في تكوين وتشكيل ومصير هذه الجماعات.
ويمكن أن يضاف إلى ذلك في الأردن أنه لا يوجد بطل أو ملهم في العمل العام والسياسي بالمعنى المطلق سواء في المعارضة او الموالاة، فالحياة العامة والسياسية تقتضي قدرا كبيرا من العلاقات والتداخلات والاحتياجات المتبادلة والمعقدة، وفي ظل عدم الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي لن تنشأ بطبيعة الحال مواقف واتجاهات سياسية مستقلة، فأنت تختار وتكيف مواقفك السياسية والعامة والفكرية والحياتية بقدر احتياجاتك وتطلعاتك المرتبطة بالحكومة والسوق والمجتمع، .. ولا بأس ولا عيب في ذلك بشكل عام،.. ما العيب إذن؟
والمسألة الثالثة في العمل العام الأردني أنه لم تتشكل بعد بوضوح طبقات اجتماعية اقتصادية واضحة تملك مصالحها وتراثها وهويتها وقواعدها الاجتماعية وشركاءها الاقتصاديين والسياسيين، وربما تكون هذه الفئات في حالة وجودها مرتبطة بالنخب الاوليغاركية اكثر مما هي مرتبطة بالديمقراطية والمجتمعات والناس والأسواق الحقيقية والمنتجة، وفي ذلك فإنه لا مصلحة لها في الحقيقة في الإصلاح السياسي والديمقراطي، وليست سوى شريك فاعل وضروري للنخب المهيمنة، وتمارس معارضة التطبيع والفكر القومي والديني والتحرري وتأييد دول وقضايا خارجية على سبيل التسلية وإراحة الضمير! ولن يكون مفاجئا إذا وقفت هذه الطبقات “عند حزها ولزها” في وجه الديمقراطية والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ متسترة أو محتجة بمقولات مثالية لا تؤمن بها، وهذا ما حدث على سبيل المثال في البرازيل ومصر كما يذكرنا بفطنة وذكاء الكاتب عامر محسن.
هناك مجال كبير أن يكون لدينا عدد كبير من القادة والرواد المصلحين في العمل العام والسياسي إذا عرفنا ما الممكن عمله وما الواجب أيضا.. نحن لا نحتاج إلى أبطال يدخلون السجون ولا يحرمون من الفرص والموارد ولا يضيق عليهم وعلى أسرهم أكثر مما يحتملون! ولا نحتاج إلى أولئك المتوهمين أنهم أبطال!
نحتاج إلى من يشغل موقعه العام بكفاءة ونزاهة ولا يستفيد منه فائدة غير مشروعة! هل هذا كثير؟ نعم إنه كثير، لكنه ممكن وعظيم، ونحتاج إلى المهني الذي يؤدي عمله بكفاءة ونزاهة ويساهم في الإصلاح والتنمية في مجال مهنته وعمله وليس باعتباره إسلاميا او يساريا او ليبراليا او قوميا.. لا نحتاج إليه بطلا قوميا أو إسلاميا يطالب بالوحدة العربية ويحتفل بالإسراء والمعراج، ولكنا نحتاج إليه محاميا ومهندسا وطبيبا ومعلما يؤدي عمله على النحو الذي يخدم الناس ويطور حياتهم ويرقى بها!!
ونحتاج إلى رجل الأعمال وصاحب المصلحة الملتزم بالإتقان وعدم الغش وعدم الرشوة، والارتقاء بالجودة والخدمة ومستوى السلع التي يوفرها للمواطنين بالسعر والربح المعقول، ونحتاج إلى قدر كبير من الصحة النفسية التي نعالج بها أنفسنا من التوهم.. يمكن لكل مواطن أن يمضي كل يوم دقيقة واحدة في الصباح وأخرى في المساء متأملا ومحاولا التمييز بين الصدق والكذب وأن يسأل نفسه إن كان كذب اليوم على نفسه وعلى الآخرين!
وربما يكون مهما وملفتا أن قادة سياسيين ملهمين للمواطنين على اختلاف مواقفهم واتجاهاتهم استمدوا تأثيرهم وحضورهم الكبير من العمل الرسمي فقط، مثل سليمان النابلسي، ووصفي التل، وأحمد عبيدات،…

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock