ترجمات

من هو الذي يشكل خطراً أكبر على ديمقراطيته: “بيبي” أم ترامب؟

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

توماس فريدمان – (نيويورك تايمز) 13/7/2019
في 17 أيلول (سبتمبر)، سوف تقوم إسرائيل بإجراء انتخاباتها الوطنية الثانية في أقل من ستة أشهر. ولدى النظر إليه عن بُعد، يبدو الأمر مجرد إعادة للانتخابات التي أجريت في 9 نيسان (أبريل)، والتي فاز بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بفارق ضئيل -لكنه لم يتمكن من تشكيل ائتلاف حاكم بعد ذلك. ولكن، لا يخدعنك ذلك. هذه ليست مجرد إعادة انتخابات. سوف تكون هذه واحدة من أهم الانتخابات في تاريخ إسرائيل. وإذا كنت تهتم بإسرائيل، فعليك الانتباه، لأن البلد الذي تُعجب به يقف على المحك. وإذا كنت يهودياً، فإن عليك تنتبه حقاً، لأن نتيجة هذه الانتخابات قد تمزق كنيسك ومجتمعك إرباً.
لماذا؟ لأن هذه الانتخابات الإسرائيلية تجمع معاً عدداً من القضايا ذات الصلة التي تكمن في صميم هوية إسرائيل كدولة يهودية -وهي قضايا تم قمعها في انتخابات نيسان (أبريل)، لكنها انفجرت الآن وخرجت إلى المشهد العام.
هذه القضايا هي مستقبل المؤسسات القضائية الإسرائيلية؛ ومستقبل سيطرة إسرائيل على 2.5 مليون فلسطيني في الضفة الغربية؛ وما إذا كان الذي سيقود إسرائيل في هذا الوقت الحرج هو تحالف براغماتي من الوسط، أم تحالف يكون أبعد في أقصى اليمين من أي شيء شهدته البلاد من قبل. وثمة على المحك أيضاً مصائر الرجلين اللذين هما جبابرة إسرائيل السياسيين الحاليين: نتنياهو -الذي يخوض معركة بكل الوسائل، وبلا قيود ولا قواعد، من أجل تجنب السجن –بتهمة الفساد- ورئيس الوزراء السابق إيهود باراك، الذي بقي في الخارج في الانتخابات السابقة، لكنه قفز الآن داخلاً معترك هذه الانتخابات. ويجادل باراك بأننا على شفا “انهيار كامل للديمقراطية الإسرائيلية”، وهو ما يشكل “تهديداً استراتيجياً لا يقل خطورة عن التهديد الإيراني”، كما يقول.
دعوني أحاول أن أكشف النقاب عن الأمر كله. في انتخابات نيسان (أبريل)، كان هناك تواطؤ ضمني بين اليمين ويسار الوسط في إسرائيل على عدم مناقشة القضية الفلسطينية. لا يريد حزب الليكود بزعامة نتنياهو وحلفائه اليمينيين مناقشة ضمهم الزاحف للضفة الغربية. كما أن خصوم “بيبي” الرئيسيين في يسار الوسط، جماعة حزب “أزرق-أبيض”، بقيادة الجنرال المتقاعد بيني غانتز، وحزب العمل ظنوا أن التركيز على الفساد الشخصي لنتنياهو سوف يجلب لهم أصواتاً أكثر من تقديم خطة لفصل إسرائيل عن الفلسطينيين. ونتيجة لذلك، تم كنسُ القضية الأكثر حسماً لمستقبل إسرائيل تحت السجادة.
وهكذا، كان الانقسام الرئيسي في انتخابات نيسان (أبريل) هو يسار الوسط الذي يقول إن “بيبي” يجب أن يذهب لأنه وأسرته فاسدون وأنهم ظلوا في السلطة لفترة طويلة؛ ونتنياهو الذي يدعي أنه لا غنى عنه لمستقبل إسرائيل.
ليست اتهامات الفساد ضد بيبي تهماً عادية. في شباط (فبراير) ، أعلن النائب العام أفيشاي ميندلبليت –الذي كان قد عينه “بيبي” نفسه- عن عزمه توجيه الاتهام إلى نتنياهو في ثلاث قضايا فساد، في انتظار جلسة استماع سابقة لقرار الاتهام، والتي يمكن لبيبي خلالها تقديم استئناف واحد أخير.
وكتب مندلبيت عن نتنياهو: “لقد ألحقتَ الضرر بصورة الخدمة العامة وبثقة الناس فيها. لقد تصرفت في تضارب للمصالح، وأسأت استخدام سلطتك بينما قمت بمراعاة الاعتبارات الأخرى المتعلقة بمصالحك الشخصية ومصالح عائلتك. وقد أفسدت موظفي الخدمة العامة الذين يعملون تحت إمرتك”.
“بيبي” يائس. ويمكن أن يذهب إلى السجن. لكنه نفى بشدة، قبل انتخابات نيسان (أبريل)K أنه إذا فاز وسيطر ائتلافه على الكنيست، فإنهم سيستخدمون سلطتهم لإصدار قوانين تحميه من الاتهام والمقاضاة. لا سمح الله -سيكون ذلك خطأ!
ولكن، خمِّنوا ماذا حصل؟ بعد فوزه مباشرة، كان أول إجراء له هو محاولة التأكد من أن الائتلاف الجديد الذي كان يشكله سيقوم بتمرير نفس القوانين التي أنكر أنه سيسعى إلى إقرارها لإجهاض صدور لائحة اتهام ضده.
للأسف، إلى جانب حزب الليكود الذي ينتمي إليه، كان الطرفان الوحيدان المتطرفان بما يكفي لمواكبة انتهاكات “بيبي” هما المستوطنون اليمينيون المتطرفون، والمتدينون المتشددون. ولأن “بيبي” كان مهووساً بتجنيدهم للحصول على الأغلبية الحاكمة في الكنيست، جعلوه أسيرهم، وقاموا بتصعيد مطالبهم بشكل مطرد، والتي وصلت في نهاية المطاف إلى درجة رفض عندها أعضاء آخرون في ائتلافه المقترح الاستمرار مع هذا الخط.
ولكن، في سياق كل هذه المناورة، كان يجب على كل إسرائيلي أن يرى إلى أي مدى كان “بيبي” مستعداً للذهاب للتضحية بالمؤسسات القانونية الإسرائيلية، فقط من أجل إنقاذ نفسه.
كان نتنياهو يطلب من شركائه في ائتلاف المستقبل تمرير قوانين من شأنها أن تمنحه، كرئيس وزراء في المنصب، حصانة فعالة من المقاضاة. ولمنع المحكمة العليا في إسرائيل من إلغاء هذه القوانين، أصر “بيبي” على أن يقر شركاؤه أيضاً قانوناً آخر يكون من شأنه الحد من صلاحيات المحكمة العليا. أنا لا أختلق هذا، أيها الرفاق. إننا نتحدث عن أشياء من جمهوريات الموز اليهودية.
لكن القضية الفلسطينية كانت ما تزال غير مطروحة على الأجندة. وهنا يدخل إيهود باراك.
على مدى السنوات القليلة الماضية، كان باراك المتقاعد –وإنما الذي ما يزال يتمتع بتأثير كبير، يصرخ على نتنياهو في “تويتر”، ملقياً الضوء مراراً وتكراراً على فكرة أن الضم الزاحف للضفة الغربية لن يقتصر في نهاية المطاف على تقويض إسرائيل كدولة ديمقراطية يهودية –والتي تكون مبنية على مبدأ “شخص واحد، صوت واحد”- وإنما أن ذلك سيتطلب، حرفياً، من “بيبي” وشركائه في اليمين المتطرف تقويض المؤسسات القانونية في إسرائيل. لأنها المحكمة العليا، وجماعات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الحية، هي آخر المؤسسات التي تقف في طريق جهد اليمين المتطرف للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، مع ضمان ألا يتمتع الفلسطينيون هناك أبداً بنفس الحقوق السياسية التي يتمتع بها الإسرائيليون.
يعتقد الكثيرون خارج إسرائيل أن السيناريوهين الوحيدين للضفة الغربية هما الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو دمج الإسرائيليين والفلسطينيين في كيان سياسي واحد قائم على المساواة في الحقوق. لكن لدى اليمين الإسرائيلي تصور ثالث في الذهن: السيطرة على الضفة الغربية من دون منح حقوق متساوية للفلسطينيين الذين يعيشون هناك. والعائق الرئيسي أمام تحقيق هذه الرؤية هو نظام إسرائيل القضائي الذي يتماز بكونه من طراز عالمي، والصحافة الحرة، والمجتمع المدني. ولذلك، يترتب على اليمين أن يقوم بإخصاء هذه الجهات. وقد سلط باراك الضوء على هذه العلاقة لجميع الإسرائيليين.
لن يستطيع باراك أن يفوز بهذه الانتخابات. لكنه يستطيع، من خلال القفز إلى السباق وتسليط الضوء على كل هذه التهديدات لمستقبل إسرائيل، أن يفرضها على الأجندة، وأن يجبر حزبي العمل و”أزرق-أبيض” على مناقشة ما وصفه بأنه “منحدر زلق” إلى مستقبل “نظام فصل عنصري” من أجل الضفة الغربية.
أطلق باراك على حزبه الجديد اسم “يسرائيل ديموكراتيت” -أي “إسرائيل ديمقراطية”- محتجاً بأنه “لكل واحد منا أن يختار بين دولة إسرائيل ودولة نتنياهو؛ بين تحطيم الديمقراطية الإسرائيلية، والإضرار المتعمد بحكم القانون والمحاكم والشرطة؛ بين التسلط المطلق للحكومة الإسرائيلية، وبين التضامن -والدولة اليهودية الديمقراطية التي تحتاجها إسرائيل، والتي تكون مستقيمة ومستدامة. هذه أحلك الأيام التي عرفناها”.
يجب على الرئيس دونالد ترامب واليهود في جميع أنحاء العالم أن يُصلوا من أجل أن يخسر “بيبي”. إذا فاز في الانتخابات –وقام بتقويض حكم القانون من أجل حماية حكمه وإدامة سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية- فإن كل يهودي يهتم بالدولة اليهودية سيتعين عليه في النهاية مواجهة الاختيار الأخلاقي حول ما إذا كان يستطيع الاستمرار في دعم إسرائيل أم لا. وهذا، كما قلت، يمكن أن يمزق كل معبد يهودي ومؤسسة يهودية في حرم الجامعات، في أميركا وعبر الشتات على حد سواء.
ولأن نتنياهو خدع تماما ترامب وصهره، جاريد كوشنر، فإنهما لا يفهمان أنه إذا فاز “بيبي”، فإن خطة ترامب للسلام تكون قد ماتت لدى الوصول. لا يمكن أن يتمكن “بيبي” الآن من البقاء على المستوى السياسي إلا من خلال تحالف يرفض أي تلميح إلى تقاسم السلطة مع الفلسطينيين، بغض النظر عن مدى ضعف هذا التحالف.
لعل من المفارقات أنه فقط في حال شكلت أجندة باراك هذه الانتخابات وأنتجت حكومة ائتلافية مستعدة لمعالجة أكثر قضايا إسرائيل وجودية، قد تحصل خطة ترامب للسلام على فرصة للاستماع إليها وتتمكن من حفز التغيير.
بالمناسبة، يا مواطنيّ الأميركيين، هل تبدو الكثير من عناصر هذه القصة مألوفة لديكم؟
*نشر هذ المقال تحت عنوان: Who is a bigger threat to his Democracy: Bibi or Trump?

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock