آخر الأخبار-العرب-والعالمالعرب والعالم

يائير لابيد يصعد إلى منصب رئيس الوزراء في “إسرائيل”-(بروفايل)

يعتلي وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد، منصب حكومة تصريف الأعمال بشكل رسمي، اليوم الخميس، بالتزامن مع تصويت الكنيست الإسرائيلي، صباحا، بالقراءات الثلاثة على حلّ نفسه، ما يفسح الطريق أمام إجراء انتخابات مبكرة في 1 تشرين الثاني المقبل.
وينهي ذلك عملياً ولاية حكومة نفتالي بينت التي حملت رقم 36 بتاريخ إسرائيل، بعد عام وشهر وأسبوعين من تشكيلها ومنحها ثقة الكنيست في 13 حزيران من العام الماضي، بما يعيد إسرائيل إلى دوامة الانتخابات وتعميق أزمتها السياسية الحزبية الداخلية.

وولد لابيد عام 1963، وهو سياسي وصحفي إسرائيلي سابق شغل منصب رئيس الوزراء المناوب لإسرائيل مع نفتالي بنت رئيس ومؤسس حزب “هناك مستقبل”.

وبدأ لابيد حياته العملية، حتى العسكرية منها، في ظروف ترافقها شكوك في كيفية تجنيده صحافياً في المجلة العسكرية الرسمية لجيش الاحتلال “بمحنيه” (وترجمتها في المعسكر)، في السنة الثانية للغزو الإسرائيلي للبنان (1982)، بعد فترة خدمة قصيرة في بطاريات الدفاع الجوي والمدرعات، وما إذا كان لوالده الصحافي المشهور آنذاك، يوسف طومي لابيد، دور في الضغط من أجل نقل ابنه للخدمة في المجلة العسكرية، بما يضمن له مسار عمل مرموقاً في إسرائيل.

ولن تكون مفيدة أيضاً محاولة قراءة عقلية وعقيدة يئير لابيد السياسية والاجتماعية والاقتصادية بمعزل عن إرث والده يوسف طومي لابيد، ونشاطه الصحافي والسياسي في المشهد الإسرائيلي لعقود عدة، كان أوجها توليه وزارة القضاء في حكومة أرييل شارون الثانية بين عامي 2003 -2004.

اشتهر طومي لابيد، الذي هاجر إلى فلسطين في عام 1948 قادماً من المجر، بكونه أحد أوائل الصحافيين الإسرائيليين من أصول مجرية الذين اخترقوا صحافة “الغيتوات” الإسرائيلية (الناطقة باللغات الأوروبية التي مثلت مجموعات المهاجرين اليهود إلى فلسطين، قبل حرب النكبة وبعدها)، إلى الصحف القُطرية العبرية، عاملاً في صحيفة “معاريف” التي تأسست بدورها بعد انشقاق مؤسسها عزريئيل كارليباخ عن صحيفة “يديعوت أحرونوت” الأم وسط معارك حرب النكبة.

واتخذ لابيد الأب، بعد إنهائه دراسة القانون واتجاهه للعمل في الصحافة، من المحرقة النازية لليهود في أوروبا (هولوكوست) وهلاك عائلته ووالده فيها، فيما نجا ووالدته منها، مدخلاً للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في إسرائيل في سنواتها الأولى.

ووضع لابيد الأب نفسه بعد تربيته وخلفيته البرجوازية، لعائلته الأصلية، في وسط المشهد السياسي الإسرائيلي وضمن دوائر “الوسط الليبرالي”، لكنه حمل منذ يومه الأول مواقف يمينية متطرفة في كل ما يتعلق بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، خصوصاً بعد حرب يونيو/ حزيران 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وشرقي القدس.

فنفى طومي لابيد لسنوات حق الفلسطينيين بدولة مستقلة، معتبراً أن أراضي الضفة الغربية والقدس المحتلة هي أراضٍ يهودية في الأصل وأنه ينبغي في حال كان لا مفر من التوصل إلى تسوية، أن يكون العنوان هو المملكة الأردنية الهاشمية، أما غزة فلا عودة عنها.
اشتهر لابيد الأب بكرهه الشديد لليهود الحريديم، وهو الذي أعلن في غير مناسبة أن الرب الخالق قد مات بنظره منذ دخول قوات النازية لموطنه الأصلي، المجر، وقتل والده وعائلته واصطحابه وترحيله ووالدته إلى معسكرات الإبادة النازية التي نجا وأمه منها بأعجوبة.

كانت حربه ضد الحريديم مدفوعة بعنصرية حاول عقلنتها، في أكثر من مرة بادعائه أن ملابسهم التقليدية ورفضهم الاندماج في الدولة والجيش يؤكد أنهم يرفضون الصهيونية ودولتها، ويصرون على حمل عقلية المهجر “الدياسبورا” في المعجم الصهيوني، وأنهم يواصلون العيش بعصر الظلمات ويرفضون التنوير الذي حملته الصهيونية لليهود.

وأشد ما كان يغضب طومي لابيد في هذا الباب قول اليهود الأرثوذكس الحريديم إن الهولوكوست كانت عقاباً لليهود لتركهم تعاليم اليهودية واندماجهم بالحياة الأوروبية. وكان هذا الادعاء والتفسير الحريدي للهولوكوست يثير جنونه لكونه ينتمي إلى مجموعة يهودية من مجموعتين من مجموعات يهود المجر عرفت باسم جماعة المعرفة أو “نيولوج”، التي تركت التعليم اليهودي التقليدي في “الحيدر” المشابه للكتاب، وتركز فيه التعليم على أصول الحساب والدين اليهودي، وسعت للاندماج لأقصى درجة في المجتمعات الأوروبية التي تعيش بين ظهرانيها.

ظلّ لابيد الأب على عدائه الشديد لليهود الحريديم لهذه المنطلقات، ونقل هذه الكراهية والعداء لولده الوحيد، يئير، بعد وفاة ابنته الكبرى، فترعرع الأخير ونشأ على هذه الأسس التربوية المناهضة للحريديم، وإن كان قد خفّف في حياته السياسية بعض عدائه لهم، لكن هذا العداء ظل ماثلاً في ممارساته السياسية. وكانت كراهية طومي لابيد الشديدة للحريديم قد بلغت حداً في إسرائيل جعل الإسرائيليين (وهو ما يدل على بنوية العنصرية الصهيونية للعرب) يقولون إن كراهية لابيد الأب للحريديم تفوق حتى كراهيته للعرب.
لم يأت هذا القول من فراغ، إذ إن لابيد الأب الذي كان صوتاً مسموعاً ومؤثراً باعتباره أحد الكتّاب الرئيسيين في أهم ثاني صحيفة إسرائيلية، “معاريف”، لم يعارض يوماً الحكم العسكري على الفلسطينيين في الداخل، وكان معارضاً لمنحهم حقوقاً متساوية ما لم يقدموا الخدمة العسكرية الإلزامية، ولا يعترف بهم إلا كأبناء الطوائف غير اليهودية.

وعلى الرغم من ادعائه الليبرالية إلا أنه أيّد الاستيطان والحرب على لبنان، بل ودعا خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى (اندلعت في عام 1987) إلى إرسال سيارات مفخخة ووضعها في قلب المدن الفلسطينية وتفجيرها. وعندما كان وزيراً للقضاء في حكومة شارون الثانية، ترأس لجنة فحص في هبّة القدس والأقصى، وأصدر توصيات برّأت الشرطة الإسرائيلية من مسؤولية قتل 13 فلسطينياً في الداخل ودعاها إلى الاستعداد بشكل أفضل لحالات مماثلة مستقبلاً. وأوصى مجدداً بربط تحسين معيشة العرب في الداخل بوضع برامج أيضاً لفرض الخدمة الوطنية الإلزامية عليهم، لمن يرفض الخدمة في الجيش.

لم يشذ يئير لابيد عن إرث أبيه، وهو مثله، اشتغل حتى خوضه السياسة في عام 2012 في مجال الصحافة والكتابة والتقديم التلفزيوني، وحتى أنه شارك في التمثيل في بعض الأفلام الإسرائيلية بأدوار بعضها هامشي وبعضها كبير. ونشر يئير لابيد على مدار 20 عاماً تقريباً مقالاً أسبوعياً في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، بعدما كان قد بدأ عمله الصحافي في الصحيفة نفسها التي كان والده يعمل فيها، وهي “معاريف”.

وعلى مدى مشواره الصحافي والتلفزيوني الذي امتد على أكثر من عقدين، لم يلتفت يئير لابيد سوى مرّات معدودة لقضايا العرب في الداخل، ولم يستضف نواب كنيست عرب باستثناء مرتين أو ثلاثة، ممن كانوا على المقاس الإسرائيلي، وحمل عداء شديداً مثل والده للتيار القومي الوطني في الداخل، الذي مثّله حزب التجمع الوطني الديمقراطي بقيادة المفكر العربي عزمي بشارة، واعتبر هو الآخر أن مشروع تحويل إسرائيل إلى دولة لكافة مواطنيها ونزع الصبغة اليهودية العنصرية عنها أمر خطير.

ومثلما اشتهر والده بمقولة إرسال سيارات مفخخة إلى المدن الفلسطينية خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، فإن أكثر مقولة اشتهر بها يئير لابيد بعد الفوز الذي حققه في الانتخابات العامة، بعد تأسيسه حزب “ييش عتيد” عام 2012، هي تصريحه بعد ظهور النتائج بأنه “لن يتعاون مع الزعبيز”، في إشارة إلى النائبة الفلسطينية حنين زعبي، من حزب التجمع الوطني الديمقراطي، التي شاركت في عام 2010 في أسطول الحرية على متن السفينة مافي مرمرة، التي اتجهت من تركيا إلى قطاع غزة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع، وهاجمها الكوماندوس البحري الإسرائيلي وهي ترفع العلم التركي، وقتل خلال عملية إنزال وحشية 11 متطوعاً تركياً.

وكانت العملية سبباً في قطيعة بين تركيا وإسرائيل، انتهت بوساطة أميركية خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، الذي فرض على رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك بنيامين نتنياهو، الاعتذار لرئيس الوزراء التركي (آنذاك) رجب طيب أردوغان، ودفع تعويضات لعائلات الضحايا الأتراك.

وظلّ لابيد مصراً على موقفه هذا حتى بعد اندلاع الأزمة السياسية الداخلية في إسرائيل منذ عام 2018 بعد استقالة حكومة نتنياهو الرابعة وإجراء أول انتخابات في سلسلة الانتخابات التي بدأت في إبريل/ نيسان 2019، حيث كرر مراراً أن حزبه لن يقبل بدعم من حزب التجمع الوطني، ولا بتوصية من هذا الحزب عليه للحصول على تكليف بتشكيل حكومة جديدة.

ومع أنه سعى للظهور بمظهر السياسي الليبرالي الداعم للمساواة، إلا أنه دعا وأيّد باستمرار اشتراط منح الفلسطينيين في الداخل مساواة مدنية، لا غير، من دون اعتراف بهم كأقلية قومية، لكنه قايض ذلك بخدمتهم العسكرية، أو بفرض خدمة وطنية عليهم تساوي سنوات الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الإسرائيلي.
عندما أسس يئير لابيد حزبه “ييش عتيد” في عام 2012 واختار المرشحين على لائحة الحزب للكنيست، وهو أمر ظل حتى اليوم من صلاحياته الحصرية، أعلن في البرنامج الأولي الذي نشره الحزب، أن حزبه هو حزب وسط يؤيد إنهاء الاحتلال واعتماد حل الدولتين.

لكن لابيد فضّل بعد انتخابات 2013 أن يبرم تحالفاً مع نفتالي بينت زعيم حزب “البيت اليهودي” آنذاك، بما عرف بحلف الأخوة، للضغط على نتنياهو لتشكيل حكومة مع حزبيهما، وإبقاء الحريديم خارج الائتلاف الحكومي، وكانت الحكومة الوحيدة التي شكّلها نتنياهو طيلة مسيرته السياسية من دون الحريديم. لكن هذه الحكومة لم تصمد أكثر من عام ونصف تقريباً، وبادر نتنياهو إلى حلّها والعودة للتحالف مع الحريديم الذين بات يطلق عليهم اسم حلفائه الطبيعيين.

عندما جرت الانتخابات اللاحقة للكنيست في عام 2015، بدأ لابيد يعلن فجأة عن تغيير في مواقفه ومواقف حزبه، وبدأ يُعرّف حزبه بأنه حزب وسط مع ميل لليمين، وأخذ يشن حرباً على جمعيات حقوقية تعنى بحقوق الفلسطينيين وتفضح جرائم جنود الاحتلال، وعلى رأسها حركة “يكسرون الصمت” التي أسسها جنود وضباط إسرائيليون بدأوا بالكشف عن جرائم الاحتلال وانتهاك الجنود، بمن فيهم هم أنفسهم، لحقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة. عارض لابيد هذه الحركة ووصف أنصارها بأنهم يتآمرون ضد الدولة ويسببون لها أضراراً من الداخل والخارج.

ومع تشكيل الحكومة الحالية، أقر لابيد بالخطوط العريضة المشتركة مع حزب “يمينا” المتطرف بقيادة نفتالي بينت، بأن لا تسعى الحكومة الجديدة لأي حوار أو محادثات تسوية سياسية مع الفلسطينيين.

وأعلن لابيد (على الرغم من عقده لقاء مع وزير الشؤون المدنية الفلسطيني حسين الشيخ، الذي عيّن أخيراً أمين سر لمنظمة التحرير)، في أحيان ومناسبات مختلفة، أن الفلسطينيين هم من يتحمّلون مسؤولية “الجمود في العملية السياسية” وأنه “ليس واثقاً بأنهم مستعدون الآن لصنع السلام معنا”. مع ذلك، يقول لابيد إنه يرفض مقولة أن اتفاقية سلام مع الفلسطينيين هي أمر غير واقعي ويرى أنه يريد “طلاقاً سعيداً من الفلسطينيين، لكنه يبقي تحت السيادة الإسرائيلية الكتل الاستيطانية الكبيرة في غوش عتصيون وأريئيل ومعاليه أدوميم”، وأن تبقى “القدس الموحدة” عاصمة لإسرائيل.-(وكالات)

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock