أفكار ومواقف

من يتحمل مسؤولية أحداث عمان؟

علينا أن نتحدث بتوازن شديد أمام الذي جرى يوم أمس في الأردن، دون أن نظلم أحدا هنا، لأن الظلم هنا مردود، ولا يقبله عاقل، أو صاحب بصيرة، أو ضمير، بعد أن عشنا يوما، كانت فيه عمان، تحديدا، خارج البث، أو قل كنا أمام بلد بلا عاصمة، بعد إغلاقها.
اعترضنا كثيرا، على مبدأ المسيرات والاعتصامات زمن الربيع العربي، لأن التوقيت كان مختلفا، تماما، وكان أي خطأ ممكن وقوعه آنذاك، قد يقود البلد إلى كارثة، وفي سنين سابقة انتقدنا المعلمين، على فكرة الإضرابات، كونها ترهن الطلبة لمطالب المعلمين، من جهة، ولكون التوقيت لا يحتمل الزج بالبلد في إضرابات، وشمل الأمر، حتى إضرابات الأطباء أو الممرضين أو أي قطاع آخر في البلد، وقد احتملونا مشكورين على نقدنا.
حسنا، مر الربيع العربي، ولم يحترق الأردن، وكان الأصل ألا تسترخي الحكومات لدينا، باعتبار أن الأردن قد رحمه الله من هذه الفوضى، والمؤسف هنا، أن حكومات متتالية استرخت ومدت قدميها في وجه الناس، باعتبار أن الأردنيين لا يريدون أي فوضى، وأن بإمكان الحكومات أن تتخذ القرار الذي تريده، وأن احتمال الناس بلا حدود، كون الخيار الآخر، لعدم الاحتمال، هو الفوضى العارمة، التي تحرق الأخضر واليابس.
لكن دعونا نتأمل هنا، سوء الإدارة، هذه الأيام، سوء إدارة العلاقة مع الناس، وسوء إدارة الأزمات، من قصة أحداث الرمثا، مرورا بقصة مجمع الكرك، وصولا إلى قصة المعلمين يوم أمس، والجهات ذات الصلة، كان بإمكانها أن تختصر كل هذه الأزمات لو خاضت حوارا مع كل هذه الأطراف، ووصلت إلى تسويات منطقية ومتدرجة، بدلا من الاختباء وراء عنوان هيبة الدولة، وتنفيذ القانون، وعدم الصدوع لمطالب أي قطاع.
لعل المفارقة يوم أمس أن وزارة الداخلية منعت اعتصاما في الدوار الرابع، لكن مقابل منعه، مدت الاعتصام على كل موقع في عمان، وخارج العاصمة، وقد شهدنا كيف تم شل العاصمة، ومواقع أخرى، بطريقة تعبر عن أعلى درجات سوء الإدارة لمثل هذه الأزمة؟
المفارقة أن توظيف مشهد أمس ضد المعلمين، يعبر عن خفة سياسية، فلماذا يتم اتهام المعلمين اليوم، باستغلال بدء العام الدراسي، أو تجييش الناس ضدهم باعتبارهم تسببوا بأزمة يوم أمس، والإغلاقات التي شهدناها، وقد كان الأولى، أن نتوقف عن التوظيف الاعتباطي، ونعترف أن المشكلة، تكمن في سوء أحوال المعلمين، ومثلهم قطاعات كثيرة، والحكومة التي تقول إن لا مال لديها لتدفعه للمعلمين، تدفع المعلمين نحو الفوضى والغضب ونقل ثقافة الاعتصام إلى الطلبة، بل واستنساخ تجارب المعلمين في دول عربية، عبر التورط في الدروس الخصوصية، ونشوء أنماط جديدة، وكان الأولى ألا تسمح الحكومة بالوصول إلى هذا المشهد، بل اللجوء إلى حل وسط متدرج مع المعلمين، وعدم السعي لتكسير صورتهم وسمعتهم، وتقديمهم بصورة المخربين الفوضويين.
ربما الخطأ الوحيد الذي وقع فيه المعلمون يوم أمس، يرتبط بإصرارهم على موقع الدوار الرابع من أجل الاعتصام، وقد كان بإمكانهم أيضا إبداء القليل من المرونة من جهتهم وقبول الاعتصام أمام مجلس النواب، لكن في كل الأحوال، هذا خطأ أقل درجة مليون مرة، من سوء إدارة الجهات الحكومية المختصة لمجمل المشهد، الذي رأيناه يوم أمس.
لقد آن الأوان ألا نخسر الدولة، بسبب الحكومة، وألا نخسر البلد، بسبب سوء الإدارة، وهذا يعني بشكل واضح، أن الدولة يجب أن تعي أن أوضاع الناس صعبة جدا، وأن الاختباء وراء هيبة القانون قد لا يكون مناسبا في حالات محددة، تفرض علينا، أن نسعى نحو حلول مرنة مع كل الجهات والقطاعات، وبدون ذلك نكون قد فتحنا بوابات لا يمكن إغلاقها جراء اللجوء فقط إلى الحل الميداني والأمني، أو جعل مكونات البلد تقف ضد بعضها البعض، فيما هم أبناء بلد واحد، والكل يعرف الكل، ولا أحد إلا في عائلته معلم، أو شرطي، أو دركي، فنحن شبكة الأمان الوحيدة لهذه البلد، ولا يصح هزها بهذه الطريقة.
يبقى السؤال: من سيدفع كلفة مشهد الخميس، وهل سيمر هذا المشهد دون كلفة سياسية، أم أن بعضنا يريد حشر كل القصة في زاوية الإدارة الفنية لحدث ما؟

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock