أفكار ومواقفرأي اقتصادي

من يدفع ثمن الحرب الروسية الأوكرانية؟

أحمد عوض

تاريخ الحروب عبر التاريخ يؤكد أن من يدفع ثمنها هم الناس العاديون من عامة الشعوب، الذين يشكلون الغالبية الكبيرة من الجيوش المتحاربة، ويدفع الناس العاديون من الفقراء والشرائح الدنيا من الطبقات الوسطى ثمنا غاليا من حياتهم، إلى جانب الأثمان غير المباشرة التي يدفعها هؤلاء في الدول التي تتأثر بالحروب بشكل مباشر وغير مباشر.

الحرب الدائرة حاليا بين روسيا وأوكرانيا ليست استثناء، ويمكن أن تكون استثناءً من حيث اتساع رقعة تأثيراتها على حياة مئات الملايين من البشر، ليس فقط في الدول المتحاربة، بل يتسع ليشمل مختلف أنحاء العالم.

إضافة الى ضحايا الحرب الذين فقدوا حياتهم والذين سيفقدونها خلال الأيام والأسابيع وربما الأشهر المقبلة، هنالك ملايين الناس سيكونون في عداد اللاجئين، حيث يتركون مدنهم وبلداتهم ومصادر رزقهم، وسيتوزعون في أصقاع الأرض المختلفة.

قبل الحرب الدائرة حاليا في شرق أوروبا، كانت نكبة فلسطين، حيث تشرد ملايين الفلسطينيين في مختلف أنحاء المعمورة، وما تزال فلسطين خاضعة لاحتلال استيطاني منذ عشرات السنين، ويدفع شعبها الثمن بشكل يومي سواء بالقتل أو السجون أو الحصار مختلف الأنواع.

وكانت الحرب على العراق ومن ثم الحرب في سورية وغيرها من الحروب التي راح ضحيتها الملايين، وتشرد الملايين من مواطنيها في مختلف أنحاء العالم، وهنالك ضحايا لحروب أخرى عديدة.

غير أن هذه الحرب تختلف عن غيرها، في أن تأثيراتها لن تترك أحدا في العالم دون أن يتأثر فيها، وبخاصة فقراء العالم وذوي الدخول التي بالكاد تكفي سد رمقهم.

الارتفاعات الكبيرة جدا في أسعار النفط والغاز والقمح والمواد الأساسية الأخرى سيكون لها تأثيرات كارثية في مختلف أنحاء العالم، ستدفع عشرات الملايين من البشر إلى مرحلة الجوع.

نؤكد أن فقراء العالم ومتوسطي الحال هم من سيدفعون الثمن، لأن الآخرين القليلين، مقارنة معهم، يستطيعون التكيف مع الارتفاعات الكبيرة في أسعار المواد الأساسية، أما الغالبية الكبيرة من الناس فلن تقوى على ذلك.

نظرة سريعة على تأثيرات هذه الحرب والأسابيع التي سبقتها، تُظهر الارتفاعات الكبيرة في أسعار القمح، وهو المادة الأساس في صناعة الخبز، والخبز طعام الفقراء الأساسي. وهو يدخل في تصنيع العديد من السلع الغذائية الأخرى.

سعر طن القمح كان يقارب قبل شهرين ما يقارب 800 دولار، وارتفع قبل أيام عند 1290 دولارا، واستقر الجمعة الماضي عند 1100 دولار تقريبا، وهو مرشح للارتفاع بشكل غير مسبوق مع استمرار الحرب.

وسعر برميل نفط برنت، الذي كان سعره قبل شهرين نحو 70 دولارا، ارتفع إلى 129 دولارا، واستقر الخميس الماضي عند 112 دولارا، ومرشح للارتفاع أكثر، ويمكن أن يتجاوز 200 دولار خلال أسابيع قليلة.

وهنالك عشرات السلع الاستراتيجية الأخرى مثل الغاز بأنواعه، والذرة وفول الصويا والسكر والحديد وغيرها، أسعارها باتجاهات صعودية كبيرة.

لا نقول ذلك بثاً للتشاؤم، وإنما كي نتحضر على مستويات الأسر والدولة، لمرحلة جديدة تتطلب خطط إنفاق جديدة على مستوى الاقتصاد الأسري، وتتطلب أيضا من الحكومة أدوارا تحمي مواطنيها من الوقوع في براثن الفقر والجوع.

الحكومات عليها أن تتحمل مسؤولياتها على المستويات الآنية والاستراتيجية، فمن جانب عليها أن تدرك أن مستويات الفقر التي وصلنا إليها كانت مرتفعة جدا قبل الحرب وقبل جائحة كورونا، وأن الأوضاع الحياتية للغالبية الساحقة من المواطنين لا تحتمل مزيدا من التراجع.

وعليها أن تدعم أسعار المواد والسلع الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، وتراجع الضرائب غير المباشرة باتجاه التخفيض أو الإلغاء، بما في ذلك أسعار الطاقة.

وعليها أيضا أن تتحمل مسؤولياتها على المستوى الاستراتيجي في زيادة الاعتماد على الذات في إنتاج وتصنيع المواد الغذائية من الموارد المحلية على محدوديتها، وعليها أن تراجع مستويات الأجور باتجاه زيادتها رغم مستويات العجز الكبيرة التي تعانيها موازنة الدولة، فالأولوية تقتضي المحافظة على المستويات المعيشية ودفعها للأمام.

ولندع الله ألا تطول الحرب وأن تتوقف فورا، ففقراء العالم، ونحن منهم، لم يعودوا يحتملون المزيد من الضغوط.

المقال السابق للكاتب 

ملامح جديدة للنظام الاقتصادي العالمي

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock