أفكار ومواقف

من يصنع الفرق؟

 تعد الانتخابات في العرف السياسي والتاريخي أداة من أدوات التغيير في المجتمعات الديمقراطية وفي المجتمعات الانتقالية، وعلى الرغم من تواضع الحملة الانتخابية الراهنة في الأردن، وتواضع ما تطرحه من برامج وشعارات وحجم التكرار في الوجوه المرشحة، فإن فرصا محدودة للتغيير يمكن أن نرى فيها أشياء مختلفة ومهمة قد لا تثير فضول البعض ولكنها سوف تصنع الفرق.
لعل أبرز ما يمكن أن يلمس في تحولات المجتمع الأردني المتناقضة والعصية على الفهم في السنوات الأخيرة هو ازدياد حدة الصراع الثقافي حول القيم، ومن بين أهم ما يلتقط في مشهد الانتخابات الراهنة بعض الملامح التي تدل على بداية تسخين هذا الملف الشائك؛ وهو بالمناسبة يحتاج أكثر من جيل لمجرد أن يقرّ الجميع السماح بالنقاش والجدل حوله، بمعنى أن إرهاصات اجتماعية وثقافية طويلة وموجات صعود وهبوط مرت على سلم قياس التحولات طوال أكثر من عقدين باتت هذه الإرهاصات اليوم تبدو أكثر وضوحا وأصبحت لدينا أدلة أن حراكا مجتمعيا مختلفا هذه المرة يطرح أسئلة أكثر عمقا وأكثر جرأة وتحديدا حول الدولة والدين ومعنى الإصلاح وأهداف التغيير.
قد لا تشهد المؤسسة البرلمانية القادمة تغييرا نوعيا بالمعنى الذي نتطلع إليه سواء في نوعية النخبة البرلمانية أو في الأداء البرلماني، ولكن قد تتوفر لهذا المجلس فرصة مهمة إذا ما طور المجتمع من قدراته على المساءلة، أي إذا ما قلبت المعادلة وأصبح المجلس تحت عين مساءلة ورقابة مجتمعية يقظة وقاسية،  وتحديدا في الوقت الذي من المتوقع ان يضم البرلمان القادم تيارات متباينة بينها الحركة الإسلامية وحركة ليبرالية أخرى من خارج تلك النخب التي تربت على هوامش مؤسسات الدولة. الأمر الذي سيوفر بيئة ملائمة لمعارك ساخنة حول القيم السياسية والثقافية.
لقد حان الوقت أن يخوض المجتمع الأردني معاركه حول هذه القيم، وهذه مصلحة حضارية لبقاء هذا المجتمع واستمرار ما بناه من مؤسسات وإرث في الإنجاز، فكلما طال عمر الغموض وابتعد المجتمع عن حسم خياراته تأجل التغيير وأصبح  صعب المنال. قد يقول قائل نحن لدينا منظومتنا القيمية المستقرة منذ أجيال، وهذا صحيح في الإنشاء السياسي وفي دروس القراءة، ولكن حينما يجدّ الجد لا نستطيع أن نجمع الناس على قيمة واضحة، ولعل النقاش الدائر حاليا حول مناهج التعليم أحد الأمثلة الصادمة، وهناك أدلة عديدة أخرى من سنوات ماضية حول كيف كان النقاش حول هذه القيم يصمت في بداياته ولم يصل ولا مرة إلى ذروته؛ نحن بحاجة إلى المواجهة. وتحت هذا عناوين عديدة بينها التفريق بين التاريخ الحافز والتاريخ العبء، والتفريق بين المجال العام والمجال الخاص، التوافق على معنى الإصلاح ومعنى التغيير.
الناس في الأردن لا يرون في هذه الانتخابات ولا في المجلس القادم أي اختلافات حقيقية، بينما تبرز نبرة من اليأس واللامبالاة في تعبيرات العامة. وفي الوقت الذي تزداد فيه قوة انتشار التيارات المحافظة ويزداد التدين الاجتماعي وتلمس تأثيراته في الحياة العامة يزداد التناقض وتبرز الحاجة أكثر للتغيير وتصبح القوى الاجتماعية والثقافية المؤمنة به أكثر قناعة واستعدادا لتحويل قناعاتها إلى مشروع سياسي يستحق البذل والتضحية من أجله.

تعليق واحد

  1. "صراع المعايير"
    هذا ما اوجزنا تعليقا على مقال الاستاذ فهد الخيطان (الحملات الإنتخابية في المشهد الاخير) بالأمس اسبابا وحلول والخطوة الأولى إصلاح ما اصاب قاعدة منظومة المعرفة المجتمعية (الشخصية الاعتبارية للمجتمع) من صراع للمعايير ومن بعدها يسهل التوافق على الإصلاح والتغيير ودون ذلك ستبقى التيارات المختلفة تسير في صراع مع المفردات دون رسم الاستراتجية والولوج للهدف المشترك "وبعد تعبيد الطريق وتصليحه ، سباق الألف ميل يبدأ بخطوة؟؟؟ استاذ باسم

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock