أفكار ومواقفرأي في حياتنا

من يقرع جرس المراهقين؟

حين سألت طلابا في كلية الإعلام عن الهدف الذي يجب أن توجه له أدوات الإعلام المختلفة، بعد قضية الطفلة نيبال، وظهور أن الذي تعرض لها وقام بقتلها بطريقة بشعة هو من فئة الشباب، كان جوابهم على الفور: المراهقون!
هؤلاء طلبة ما يزالون على مقاعد الدراسة، ولكنهم وبحكم سنين عمرهم الصغيرة، على اطلاع ودراية واسعة لما يدور في فلك المراهقين، خلال السنوات القليلة الماضية، وما هي المؤثرات التي يتعرضون لها بشكل مكثف من خلال تكنولوجيا التواصل والألعاب الالكترونية، تلك التي لم تلق بالا من قبل التربويين والأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، بشكل يتلاءم وحجم كارثة يبدو وأنها في طريقها إلى التفاقم أكثر وأكثر.
وليس أدل على ذلك إلا جرائم التحرش ومحاولات الاغتصاب والانتحار والتنمر والقتل كما يظهر مؤخرا.
تقول الدراسات والمشاهدات الأولية إن تعرض الشخص الغاضب لمشاهدة إثارة جنسية يجعله أكثر عدوانية في سلوكه تجاه الآخرين الذين قد يختلفون معه.
كما أن المشاهد المثيرة جنسيا تقود الشخص المتعرض لها إلى سلوك عدواني لأن الإثارة في حد ذاتها حالة هياج عاطفي. بالإضافة إلى أن التعرض المستمر لمشاهد بها إيحاءات جنسية يشجع على الاغتصاب لشعور المراهق بأن ما يفعله متعة وليس جريمة.
أطفالنا ومراهقوننا يتعرضون يوميا لسيل عارم من المواد المحفزة على العنف اللفظي والجسدي، حتى لو كان ذلك من خلال لعبة نراها نحن الآباء والأمهات، بأنها أسلم من الخروج إلى الشارع والتعرض لمخاطر الاعتداء أو الضرب والدهس مثلا. نحن لا نعي بأن القنابل الموقوتة في عقول وأجساد أبنائنا هي عرضة للانفجار في أي وقت، في غياب الرقابة الأبوية والخطاب الأخلاقي والديني، الذي تقع مسؤوليته أيضا بل وكثيرا على المدرسة، بعد البيت طبعا.
الدفع الهائل من التطور التكنولوجي، والذي وصل بجزء كبير منه إلى حياة الأسرة، أدى إلى غياب الوالدين الذهني عن متابعة الأبناء والتواصل معهم، وأوجد تغييرا جذريا في هوايات الأطفال واهتماماتهم، فأصبحوا يقضون أوقاتا طويلة في عالم وهمي، معرضين للاختراق النفسي والذهني عبر الألعاب الالكترونية لعقلهم الباطن، لتكسبهم شخصيات مضطربة وهوية مشوهة، خلقت حاجزا بين الطفل وأسرته وأقرانه في العالم الحقيقي.
“الألعاب الالكترونية، خاصة العنيفة التي تقوم على الحرب والقتل وهي الأكثر رواجا لدى الصغار، أكسبتهم السلوك العدواني، والذي نجد مؤشراته في سرعة الغضب وتسارع ضربات القلب، ومشكلات النوم، والعزلة عن الأصدقاء، إضافة إلى الفوبيا والوسواس وضعف الثقة في النفس والقلق وصعوبات التكيف، والمزج بين الواقع والخيال” منقول عن دراسة بريطانية.
أما الألعاب ذات الإيحاءات الجنسية فهي تجعل الطفل أكثر عزلة وتسهل وقوعه فريسة للاستغلال الجنسي والانحراف ثم البرود الجنسي في الكبر.
يواجه الواقع الافتراضي مشاكل أخلاقية عدة، ولا يقف ذلك عند الترويج للاعتداء الجنسي فحسب، فهناك مخاوف متزايدة حول المحتوى الجنسي المتوقع إدخاله إلى هذا العالم الخيالي، كأن يمارس اللاعب الجنس مع شخصيات افتراضية أو حتى مع أطفال، وهذا بالضبط ما حصل مع حادثة الطفلة نيبال، وحدث تبين فيما بعد، أنه مسجل في قضايا تسول وسرقة وضرب.
المسؤولية الإعلامية والتربوية اليوم هي في أحلك امتحاناتها. والرسائل المقبلة عليها أن تقرع جرس الخطر، وتوجه الخطاب مباشرة لفئة الأطفال المعرضين لمثل تلك الجرائم، وللمراهقين بالمثل، ممن يحلو لهم اختراق القوانين والأعراف والممنوعات، من أجل أن يكونوا أبطالا حقيقيين، لا وهميين كما تزرع في نفوسهم تكنولوجيا الخراب والدمار.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock