أفكار ومواقف

من يلوم من؟

حسين الرواشدة

يتوزع اغلبية الأردنيين على منصتين: منصة تداول الشكوى والتذمر، ومنصة تبادل اللوم وتوجيه الاتهامات، الأولى مفهمومة في سياقات الإحساس العام “بالخيبات” المتتالية، وتراجع الأوضاع المعيشية ، وسيادة المظلومية والتهميش على المزاج الأردني ، ‏اما المنصة الأخرى فهي نتيجة للأولى ، وتجسيد عملي لها ، لكنها عابرة من المجتمع للحكومات والمسؤولين والنخب ، الكل يتهم الكل ويلومه ، والكل يتبرأ من الأخطاء ويرميها على الآخرين، والأخطر أن الكل يحاول أن يأكل الكل .

‏فيما مضى كان الأردنيون يؤمنون أن ” الشكوى لغير الله مذلة ” ، وكان لديهم من قيم السماحة والعفو ما يردعهم عن اتهام بعضهم ، ومن الحكمة والفضل ما يجعلهم يعزفون عن التسرع بإصدار الأحكام على غيرهم ، ومن الثقة والاعتزاز بالنفس ما يحول بينهم وبين إلقاء اللوم أو تحميل الآخرين مسؤولية ما عجزوا عن القيام به ، أو حتى رد الإساءة بمثلها ، باعتبار ذلك ضعفا ، فيما لا يعدمون الشجاعة لمواجهة المخطئ و محاسبته إذا لزم الامر .

‏الآن تغيرت الصورة ، الأردنيون يشكون من كل شيء ، من انقطاع المياه إلى عدم توفر الخدمات الصحية ومن تراجع التعليم ، إلى سوء الخدمات الإدارية، الشكوى أصبحت ” ورداً ” يوميا يمارسونه ويتلذذون به، وقد يعتبرونه الوسيلة المتاحة للتنفيس عن غضبهم ، ومع أنها مبالغ فيها أحيانا ، الا أنها تعكس المزاج العام ، بما تكدس فيه من قهر وخوف ، وعتاب وغضب ، واحباط وفقدان للأمل .

طاقة التذمر هذه ، ‏تجد قنواتها في وسائل التواصل والشارع وعبر أثير الإذاعة الصباحية ، وتصب باتجاه المسؤولين على اختلاف مواقعهم ، الحكومة متهمة وملامة على تقصيرها ،وعلى غيابها ،وعلى ما تصدره من مقررات ، والنواب متهمون دائما ، ومؤسسات الدولة الأخرى لا تسلم من سهام النقد والتجريح أحيانا ، هذه الطاقة تكون احيانا مدمرة ، لأنها تحاول أن تغرق الجميع في الفشل ،وتعكس سواد المشهد ،وتتجنب الإشارة لاي إنجاز ، أو أية بقع بيضاء أو صورة مشرقة .

تنم معادلة تبادل الشكوى والاتهامات عن حالة العجز ، لدى المجتمع والإدارات العامة بالدولة على حد سواء ، ‏فالعجز الذي يشعر به الناس ليس اكثر من عدوى للعجز الذي يعاني منه المسؤول ، الطرفان يعرفان تماما ما يعانيه البلد من أزمات ، وقادران دائما على تشخيصها واقتراح ما يلزمها من حلول ومعالجة ، لكنهما فجأة يرتبكان عند سؤال لماذا لم نفعل المطلوب؟ لأن الإجابة الحاضرة باستمرار “ما باليد حيلة” وعليها ألف تبرير واتهام للآخرين بأنهم لا يتحملون المسؤولية .

‏من يلوم من ؟ هذا يحتاج إلى وقفة طويلة نستدعي من خلالها ما تبقي لدينا من شجاعة ومصارحة للاعتراف بأن أخطاءنا نتقاسمها جميعا ، وأن اختلف نصيب كل طرف وترتيبه على قائمة المسؤولية ، صحيح أن ما يفعله الناس ، هو انعكاس غالبا لسلوك الحكومات والمؤسسات التي يفترض أنها في خدمتهم ، لكن الصحيح أيضا أن المجتمعات الحيوية تمتلك – أو هكذا يفترض- من الحيوية ما يمكنها من سد الفراغ الذي انسحبت منه الحكومات، أو تخلت عنه ، بمعنى ان الناس مسؤولون عن فشل اداراتهم ، سواءً بالصمت عليها ، أو بالعجز عن تعديل سلوكها .

‏من المفارقات أن الأردنيين مولعون بالمقارنات مع غيرهم من الشعوب ، لكنهم انتقائيون في الغالب ، لا يثيرهم إلا نماذج مختارة تشكل ” خزانات ” لإدامة الشكوى و إلقاء اللوم والتهم ، الرعاية الصحية الحكومية لدينا أفضل مثلا منها في بريطانيا ، وكذلك أجور السكن أرخص بكثير ، أسعار السلع والأغذية والمشتقات النفطية ، وحتى مع تفاوت مستوى الدخل بيننا وبينهم لصالحهم ، إلا أن أحدا لا يذكر ذلك ، وهنالك عشرات الأمثلة من دول أخرى ، الشعوب فيها ليسوا ” شكائين” مع ان ظروفهم أسوأ من ظروفنا .

‏لا يخطر ببالي ان ابرر التقصير الرسمي الذي ولّد معاناة الناس ودفعهم الى الشكوى والتذمر، ولا مصادرة حقهم باتهام المسؤولين ولومهم إذا ما أخطأوا ، ما أخشاه هو أن نتحول إلى مجموعة من الشكائين وأن تصبح الشكوى ثقافة عامة معطلة للإنتاج والإبداع والمحاسبة، بحيث تستريح ضمائرنا لمجرد أننا نشكو ونوزع اللوم فيما بيننا، ثم نقعد بانتظار ” المنقذ ” بعد أن نبرئ انفسنا مما فعلناه ، أو ما عجزنا عن فعله ، وتلك وصفة الفشل .

المقال السابق للكاتب

مناكفات أم تصفية حسابات؟

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock