أفكار ومواقف

مهرجان الأيام العبرية

ها هو الخامس من حزيران، أحد أكثر الأيام شهرة وأشدها انخسافاً في التقويم العربي المعاصر، يلقي مجدداً هذا النهار بظله الكئيب على الذاكرة الجماعية. ها هو يوم “النكسة” الثقيلة على القلب والعقل يعبر من الماضي إلى المضارع زاحفاً ملء أربع جهات الأرض المستباحة، ليعيد احتلال كامل مساحة الذاكرة شبراً شبراً، ومحاصرة الروح التي تواصل الفرار من بحر التفاصيل الموجعة إلى فضاء متاهة العموميات العريضة بالفولاذ المسقيّ، طلباً للسلام المراوغ مع النفس، ودرءاً لأي مساءلة ضميرية مؤجلة إلى ما بعد بعد.
ها هو الخامس من شهر مهرجان الحروب الخاطفة، والغارات الجوية طويلة الذراع، وأرتال المركبات الحديدية المتدفقة كما السيل العرم، يتجلى من جديد أكثر ما تكون عليه أيام هذا المهرجان إيذاناً بانقضاء حقبة وبرهاناً على أفول مرحلة، بل كيوم من أشد أيام الأجندة الملتبسة إيحاء بوطأة المناسبة المؤلمة. إنه خامس أيام الشهر الميلادي السادس، وأول أيام حرب الأيام الستة، وفاتحة زمن مديد يبدو وكأنه بلا نهاية مرئية، ظلت تتناسل فيه المستوطنات والحروب والانتفاضات والمزاعم والزعامات، وتبزغ من هزيمة الأخير أقل القليل من الأيام المجيدة.
ومن منا لا يتذكر في هذا اليوم الذي طال ليله واستطال ظله، كيف كنا ننتظر الطائرات المغيرة من الشرق، فإذا بها تباغتنا من الغرب، وكيف سقطت الجولان من أثير الإذاعة المنتفخة الأوداج قبل أن تسقط بالفعل؟ ومن منا لا يستدعي تلك السخرية السوداء إلى الذهن، حين كنا على وشك أن نقذف بهم من الميكروفونات إلى عباب البحر طعاماً سائغاً إلى أسماكه الجائعة، فإذا بهم يقذفون بنا إلى الصحراء زرافات ووحدانا؟ بل ومن منا يجرؤ على إعادة الشريط كله واستحضار التفاصيل الكاملة ولا يجازف بارتفاع ضغط دمه إلى الدرجة المميتة؟.
وها هو يوم السادس منه يحل غداً، كأقرب الأيام من هذه الثلاثية العبرية الفائضة بالدلالات الرمزية لعصر إسرائيلي، بدا باذخاً بالتفوق النوعي والانتصارات السهلة. إنه أقرب الأيام تأريخاً وأوسط الحلقات في السلسلة، إنه أول نهارات تلك الحملة الحربية التي تدفقت فيها الذئاب الجريحة علينا في بروج مشيّدة، فكانت الخطوة الأولى على الطريق إلى بيروت، والمدماك الأول في حصار أول عاصمة عربية عام 1982.
فمن منا لا يتذكر والتاريخ يعيد ببلاغة ومكر شديدين، لأكثر من مرة واحدة، كتابة نفسه في غير عاصمة واحدة؟ ومن منا يقدر على التثاؤب، ومغالبة النعاس فيما الممثلون يواصلون على خشبة المسرح عرض المشهد الكسيف تارة إثر أخرى، ويكررون على أسماعنا بحماسة مفرطة إلقاء عظة لحظة البداية من دون إدهاش، وذر رماد حريق النهايات المتماثلة بلا مخاتلة؟  
وها هو السابع منه، يحل بعد غد، أكثر أيام هذه الثلاثية الماجنة غوراً في النفوس المكلومة، ومع أنه أقل أيام هذا المهرجان صخباً وأكثرها تواضعاً قياساً بناظريه، السابق منه واللاحق له، إلا أنه أشد هذه الأيام أثراً فيما تلاه من أيام حافلة بانهيارات مدوية. إنه اليوم الذي بلغت فيه السلالة المعدنية سماء بغداد، وقصفت مفاعل تموز، وعادت إلى قواعدها لتعيد تشكيل المدى العربي، لزمن جاف مديد، على هيئة شمعدان سباعي ونجمة سداسية.
إنها الأيام الثلاثة المتتالية من حزيران، أولها تربع في الخامس منه على قمة الشهرة المطلقة عام 1967، وتجلى ثانيها في السادس منه عبر جنوب لبنان إلى قلب بيروت عام 1982، أما ثالثها فقد غاص عميقاً، ترسب في قعر الذاكرة، واستوطن اللاوعي في السابع من حزيران عام 1981، حيث لم نجد له مغزىً إلا بعد انقضاء عقدين وأكثر عام 2003، أي حين اتضح لنا أن وقائع ذلك اليوم كانت الطلقة الأولى في معركة أخرى ما كان لها أن تقع لو قدر لمفاعل بغداد أن يستكمل نشيده النووي فيما بعد.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
45 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock