ترجمات

مهزلة جائزة نوبل للسلام

دومينيك غرين* – (ذا سبيكتيتور) 9/1/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة


أصبحت الجائزة تعكس المصالح السياسية الخاصة للجنة النرويجية، في حين شمل الفائزون السابقون إرهابيين معروفين سيئي السمعة.

  • * *
    يُفتتح كتاب “خيانة نوبل” Betraying the Nobel بتفجير من مايكل نوبل، حفيد ألفريد. ويعتقد نائب الرئيس ثم رئيس مجلس إدارة جمعية عائلة نوبل لمدة 15 عامًا، مايكل، أن معهد نوبل للسلام قد خان “الشروط الأصلية لإرادة ألفريد نوبل ونواياه”. فعملية الاختيار التي يعتمدها “سطحية للغاية”، وتعكس لجنته المكونة من البرلمانيين النرويجيين توازن القوى في برلمانهم. وتتبع جوائز المعهد “المصالح الشخصية”، و”الاعتبارات السياسية والوطنية”، و”حقوق الإنسان أو مسألة الاحترار العالمي”، والتي لها كلها علاقة “قليلة أو لا علاقة على الإطلاق” بوصية ألفريد نوبل وتركته.
    كانت الجائزة فكرة ديناميتية في حد ذاتها عندما تأسست في العام 1900. أي طريقة أفضل لتجنب الحرب من إعادة تدوير أرباح المتفجرات إلى مخطط تحفيزي للسلام الدائم؟ ولكن، كما تصف أوني توريتيني في سردها الفعال والمدمر بهدوء، سرعان ما سقطت جائزة السلام في لعبة سرية من “تبديل الخيول”، والاستعراض الأخلاقي المتباهي، وما يسميه أحد البرلمانيين النرويجيين “خصخصة السياسة الخارجية”.
    بدأ ألفريد نوبل، المهندس السويدي الذي اشتغل على استقرار مادة النتروغليسرين في العام 1863، في بيع المادة لعمال المناجم تحت اسم “مسحوق السلامة” في العام 1867. وأدى “مسحوق السلامة” إلى إنشاء نفق سانت غوتهارد عبر جبال الألب. كما قتل أيضاً القيصر الكسندر الثاني عندما ألقى القتلة قنبلة مملوءة بالديناميت على عربته. وتوفي نوبل في سان ريمو في العام 1896، عن عمر يناهز 63 عامًا. ولأنه لم يكن لديه أبناء ولم يكن سعيداً -كانت والدته قد أوقفت زواجه بدافع الحب من بيرثا كينسكي، الكونتيسة الروسية المثالية- منح “ملك الديناميت” جوائز سنوية في الفيزياء والكيمياء والطب والأدب، والتي ينبغي أن تديرها مؤسسات سويدية غير سياسية؛ يمنح معهد كارولينسكا، وهو جامعة طبية، جائزة الطب. وكان من المقرر منح جائزة خامسة، لتخليد قيَم بيرثا، التي يشرف على منحها البرلمان النرويجي.
    حصلت بيرثا على جائزة السلام في العام 1905، لكن أداء اللجنة لم يكن سيئًا في عقودها الأولى. وقد تمكنت من التصويت لرفض مرشحين مثل موسوليني (1935)، وهتلر (1939، على سبيل المزاح، كما زُعِم) وستالين (بشكل جدّي في العامين 1945 و1948). وفوّتت الجائزة غاندي، ربما لتجنب استعداء البريطانيين، لكنها اعترفت بشجاعة بأحقية كارل فون أوسيتسكي (1935)، وهو داعية سلام ألماني كان قد سجنه النازيون. واستقال بسبب ذلك عضوان مؤيدان لألمانيا من اللجنة.
    أدى الجدل الذي ثار حول منح الجائزة لأوسيتسكي إلى تسريع تحول جائزة السلام إلى سلاح في السياسة الخارجية النرويجية. وقد تحالفت نرويج ما بعد الحرب مع الولايات المتحدة، لكن الترشيحات عكست أيضًا “علاقة حب النرويج مع الأمم المتحدة” وتطلعاتها إلى أن تصبح ما يسميه هنريك ثون، المدير الحالي لمعهد السياسة الخارجية النرويجي، “قوة عظمى سرية في إطار السلام والمصالحة”. ومن هنا جاء منح الجائزة لكورديل هال (1945)، وزير خارجية روزفلت و”والد الأمم المتحدة”. ومن هنا، أيضًا، جاء الجندي المحترف جورج سي. مارشال (1953)، والمعادل الضروري في الحرب الباردة كما كان في حالة هنري كيسنغر ولو دوك ثو (1973)، ومناحيم بيغن وأنور السادات (1978).
    كان تعيين غير لوندستاد سكرتيرًا لمعهد نوبل للسلام في العام 1990 بمثابة نقطة تحول. فقد حول لونديستاد حفل توزيع الجوائز إلى “عرض فخم، يشبه حفل توزيع جوائز غرامي”. وقد رفع مكانة المعهد، لكن ذلك زاد من اعتماده المالي على الحكومة النرويجية. ومع زوال التهديد السوفياتي وتحجر الإجماع الديمقراطي الاجتماعي في النرويج، تحول ميل كان مكبوتاً بالكاد في السابق إلى استعراض عبثي جامح للأخلاقية.
    تحولت الجائزة ببطء إلى “ركلة في الساق” ضد الأميركيين. بعد 11 أيلول (سبتمبر)، ذهبت الجائزة إلى الأمم المتحدة وكوفي أنان (2001)؛ وجيمي كارتر (2002) لأنه لم يكن جورج دبليو بوش؛ ومحمد البرادعي من الوكالة الدولية للطاقة الذرية (2005)، الذي “انحاز في النزاعات وأخفى المعلومات عن العامة من أجل حماية بعض الدول الأعضاء”؛ وقارع جرس التحذير المناخي آل غور (2007)؛ وباراك أوباما (2009) لفوزه في الانتخابات مع أنه أسود.
    لم يكن بإمكان اللجنة أن تعلم أن بيغن (1978) سيغزو لبنان في العام 1982، أو أن أوباما سيصعِّد حروب سلفه بالطائرات من دون طيار ويدمر ليبيا. لكن الغرور وحده هو الذي كان يمكن أن يخفي عدم ملاءمة “مقاتل حرب العصابات” الغواتيمالي ريغوبيرتا مينشو (1992)، الذي كانت سيرته الذاتية الأكثر مبيعًا قد فقدت مصداقيتها مُسبقاً من خلال تحقيق أجرته صحيفة “نيويورك تايمز”. وإلين سيرليف (2011)، السياسية الليبيرية التي خدمت في حكومة الديكتاتور صمويل دو، والتي منعتها من المشاركة في السياسة لجنة الحقيقة والمصالحة التي أنشأتها هي بنفسها.
    استسلمت جائزة نوبل للجمود السياسي الذي أضعف استقلالية وأحكام الوحوش الخيرية المماثلة، مثل مؤسسة فورد ومؤسسة كارنيغي للسلام. وأصبح من المرجح الآن أن تذهب جائزة السلام إلى الأفكار التجريدية المقدسة، مثل الاتحاد الأوروبي (2012) بدلاً من الذهاب إلى صانعي السلام الفعليين. ولو كانت الجائزة لتتبع حقًا رغبات ألفريد نوبل، لكان من المفترض أن يكون الفائزون بها للعام 2020 هم دونالد ترامب، وبنيامين نتنياهو، والزعماء العرب الذين طبّعوا العلاقات مع إسرائيل. أما أن مثل ذلك سيبدو مستحيلاً على نحو كوميدي، فيُظهر مدى انجراف جائزة نوبل إلى مسرح الانحيازات والتحزبات. وتقدِّم توريتيني في كتابها وصفًا تفصيليًا للكيفية التي سارت بها أمور الجائزة كلها بشكل خاطئ. والسِّير الذاتية المختصرة للفائزين الأقل استحقاقًا تجسد سخافة الجائزة بشكل خاص.

*Dominic Green: نائب رئيس تحرير مجلة “سبيكتيتور”، نسخة الولايات المتحدة
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The farce of the Nobel Peace Prize

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock