تحليل إقتصادي

مواجهة مشاكل الاتحاد الاقتصادي الأوروبي بالإصلاح

جان بيساني فيري*
بروكسل- كان صناع السياسات الأوروبيون منشغلين طيلة عام كامل بإصلاح الخلل في تصميم الاتحاد الاقتصادي والنقدي. وكما هي الحال مع البرمجيات المعيبة، قدموا لنا إصدارات جديدة متعاقبة من الاتحاد الاقتصادي والنقدي بوتيرة محمومة -فقط لكي يكتشفوا نقاط ضعف متبقية بعد فترة وجيزة. ولكن بعد قمتين في آذار (مارس)، يزعم المسؤولون الأوروبيون الآن أنهم أنتجوا نسخة محسنة خالية من العيوب من الاتحاد الاقتصادي والنقدي. تُرى هل يسعنا أن نمنحهم ثقتنا هذه المرة؟
تبدأ الإجابة عن هذا التساؤل من أصل المتاعب كافة التي يواجهها الاتحاد الاقتصادي والنقدي: منع الأزمات. فقبل العام 2010 كانت عملية منع الأزمات تكاد تقوم بالكامل على مراقبة عجز الموازنات، وهي ما كان يتم في إطار ميثاق الاستقرار والنمو (هذا فضلاً عن إجراء لمراقبة اقتصادية أوسع نطاقا، ولكنها تفتقر إلى الثِّقَل السياسي). لقد كشفت الأزمة عن مشاكل كبرى فيما يتصل بتنفيذ هذا الإطار، ولكنها كشفت أيضاً عن مشاكل كبرى خاصة بالتصميم: فلم نر أي ضوء تحذيري يشير إلى أن أيرلندا أو أسبانيا مهددة بأي خطر.
من المفترض أن يأخذ النظام الجديد في الاعتبار نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي (وهو ما من شأنه أن يضرب قدرة إيطاليا على الحفاظ على أعباء ديونها الهائلة الحجم) والالتزامات الضمنية (على سبيل المثال، سوف تضطر أي دولة تعاني من قطاع مصرفي متضخم الحجم إلى مواجهة تكاليف إنقاذ محتملة). وسوف يتم تبسيط المناقشات فيما يتصل بالعقوبات بالاستعانة بما يطلق عليه “قاعدة الأغلبية المعكوسة”، والتي تعد بموجبها توصية المفوضية الأوروبية باتخاذ أي قرار ملزمة ما لم يتم رفضها من قِبَل أغلبية وزراء البلدان الأعضاء. وكل هذا مشجع.
وهناك علامة ثانية إيجابية تتمثل في الاعتراف بأن ليس كل الأزمات ترجع إلى الافتقار إلى الانضباط المالي؛ فمن المتفق عليه الآن أن كلاً من الاستقرار المالي واستقرار الاقتصاد الكلي يشكل أيضاً أهمية. ولكن الإطار الذي يحكم السياسة الجديدة يبدو غامضاً بعض الشيء. ذلك أن الأمر لن يشتمل على أقل من ثلاثة إجراءات أوروبية مختلفة ومتداخلة جزئيا -للموازنات، والخلل في توازن الاقتصاد الكلي، والاستقرار المالي. وتهدد العمليات الحكومية الخرقاء بحجب الأولويات، وإرباك صناع السياسات، وإنهاك موظفي الخدمة المدنية.
ولهذا السبب، يُخشى أن يحتاج نموذج الحكم إلى الإصلاح قريبا، وأن يضطر الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ القرار فيما يتصل بالمواقف التي يتعين عليه فيها أن يعتمد بشكل أكبر على أطر وطنية خضعت للإصلاح (على سبيل المثال فيما يتصل بانضباط الموازنة) ومتى يتعين عليه تخصيص المزيد من المسؤوليات والصلاحيات للاتحاد الأوروبي (على سبيل المثال الإشراف المصرفي). والواقع أن التأكيد الجديد لقواعد الموازنات الوطنية يُعَد تطوراً مرغوبا -ولكنه لا يشكل أكثر من خطوة أولى.
وفي الوقت نفسه، يصبح إصلاح إدارة الأزمات وعملية اتخاذ القرار شبه مستحيلين، بسبب غياب أي شيء ملموس. لذا، أضيفت الآن ركيزة جديدة للصرح الأوروبي. ونتيجة لهذا، فإن الاتحاد الاقتصادي والنقدي سوف يكون مجهزاً الآن بالقدرة على تقديم المساعدة لأي من البلدان الأعضاء التي تفقد القدرة على الوصول إلى الأسواق من أجل تنظيم عملية إعادة هيكلة ديونها العامة. إن الاتفاق على تأسيس مرفق لتوفير السيولة، إلى جانب إجراء خاص بالإفلاس، كان يعني ضمناً إعادة النظر في المبادئ الأساسية -وخصوصا الفقرة الخاصة بعدم الإنقاذ- الأمر الذي أظهر أن أوروبا قادرة على التعلم من أخطائها.
ولكن النظام الجديد لا يخلو من العيوب. فأولا، من الغريب أن تتفق أوروبا على تقديم المساعدة كملاذ أخير فقط، وبالإجماع وبشروط قاسية، في وقت حيث أنشأ صندوق النقد الدولي مرافق تعمل كملاذ أول، وبشكل شبه تلقائي، وبشروط مخففة من أجل مساعدة البلدان التي تضربها تدفقات رأس المال الفجائية إلى الخارج. لذا فقد نشأ الآن خطر يتمثل في احتمالات إفضاء الإطار الأوروبي إلى خلق مجال للمضاربة المالية.
وثانيا، سلك الاتحاد الأوروبي المسار القانوني الأقل صعوبة لحل أزمات الديون: أو ما يطلق عليه “النهج التعاقدي”، والذي يهدف إلى تيسير الاتفاق مع الدائنين التابعين للقطاع الخاص. ولكن القسم الأكثر إثارة للجدال من عملية إعادة هيكلة الديون قد يصل إلى اتفاقيات بين حكومية. وكان الإجراء القانوني الرسمي ليساعد كثيراً في هذا السياق.
ثالثا، وكما تتسبب أي نسخة جديدة من البرمجيات القائمة في كثير من الأحيان في خلق مشاكل خاصة بالتوافق مع الملفات المنشأة بنسخ قديمة من البرنامج، فإن انتقال الاتحاد الاقتصادي والنقدي إلى النظام الجديد قد يشتمل على مصاعب. فحتى باستبعاد البرتغال، التي تواجه مأزقاً خطيراً الآن، تظل مشاكل عدة تنتظر الحل. وهناك حاجة ملحة إلى التعجيل بحل الأزمة المصرفية، والتي تشكل اختبارات الإجهاد الشاملة الجديرة بالثقة خطوة أولى لا غنى عنها. والواقع أن التحرك الأخير من قِبَل أيرلندا يُعَد بمثابة أنباء طيبة، ولكنه يشكل قدراً من التباطؤ في أماكن أخرى -وخصوصا ألمانيا- ويمنع عودة الثقة.
وهناك حاجة لا تقل أهمية للتميز بين إفلاس الدولة وعدم توفر السيولة لديها. فمن المرجح أن تجد اليونان نفسها مفلسة، هذا فضلاً عن تساؤلات تحيط بقدرة أيرلندا والبرتغال عن سداد ديونها. والواقع أن الأسواق لابد وأن تدرك ما الذي قد يحدث إذا جرى شكل ما من أشكال إعادة هيكلة الديون قبل العمل بالنظام الدائم في العام 2013، كما يتعين على البنك المركزي الأوروبي أن يفكر في الكيفية التي سوف يتخلص بها من سندات البلدان الواقعة على المحيط الخارجي على قوائمه المالية. ومرة أخرى، لن تعود الثقة إلا بعد تقديم الإجابات.
أخيرا، وليس آخرا، لابد وأن يفترض أي حل في هذا السياق سلفاً وجود العنصر الأكثر أهمية على الإطلاق: والذي يتلخص في استراتيجية الاتحاد الأوروبي الفعّالة فيما يتصل بإحياء ودعم النمو في جنوب أوروبا. إن الاتحاد الأوروبي ليس محروماً من الأدوات -أو ما يطلق عليه “الصناديق البنيوية” التي تمول الاستثمار في المناطق الأكثر فقراً- ولكنه يفتقر إلى الاستراتيجية اللازمة لاستخدام هذه الأدوات.
لذا فقد يكون من الأفضل أن نطلق على ما أسفرت عنه عدة أشهر من المناقشات “الاتحاد الاقتصادي والنقدي 1.7.3” وليس “الاتحاد الاقتصادي والنقدي 2.0”. ذلك أن المزيد من الشوائب والعيوب لابد وأن تزال، بما في ذلك العيوب الجديدة التي سوف تكتشف في الإصلاحات. وبالنسبة للمستثمرين، فإن عملية الإصلاح قد تبدو طويلة ومترددة إلى الحد الذي قد يجعلها مستحيلة. ولكنها بالقياس إلى معايير المفاوضات الدولية والحوكمة الأوروبية كانت في واقع الأمر سريعة بشكل استثنائي.

*مدير مؤسسة بروجل (مركز بحثي اقتصادي دولي).
خاص بـ”الغد” بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت 2011.

تعليق واحد

  1. التخطيط
    لا شك ان الحرص على القوة الاقتصاديه للاتحاد الاوروبي سيثمر لصالح كافة شعوب الاتحاد الاروبي وما نراه في اليابان يثبت ذالك ان تنوع مناخات الاستثمار في الاتحاد الاوروبي هو اكبر داعم لهذا الاقتصاد مستقبلا . شكرا لكل من يدعو الى تكتل يخدم فيه مصالح الشعوب . شكرا اوروبا .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock