اقتصادالسلايدر الرئيسيتحليل إقتصادي

موازنة 2020.. هل من مرونة؟

محمد البشير

عمان– تعكس أرقام موازنة 2020 أزمة المالية العامة في الأردن، بحيث يصبح هامش المناقشة لدى مجلس النواب والمراقبين ضيقاً جداً، مما يعبر عن وصول أدوات المالية العامة الى أزمة حقيقية عكست نفسها على الاقتصاد الجزئي (القطاع الخاص) بالانكماش الاقتصادي الذي نعيش (انخفاض نسبة النمو) والتضخم والعجز في الميزان التجاري والنقدي وارتفاع معدلات البطالة.
لقد بلغت النفقات العامة، كما وردت في الموازنة، مبلغ (9808) ملايين دينار، منها (8383) مليون دينار نفقات جارية و(1425) مليون دينار نفقات رأسمالية، وإن 50 % منها يتعلق بقطاع التعليم، الصحة والنقل، كما تحدث رئيس الوزراء.
بدراسة النفقات الجارية، يتضح أن نفقات الجهاز المدني بلغت (2353) مليون دينار، وأن نفقات الجهاز العسكري بلغت (2642) مليون دينار، وأن نفقات التقاعد المدني بلغت (1458) مليون دينار، وأن فوائد القروض قدرت بمبلغ (1254) مليون دينار، ومبلغ (130) مليون دينار دعم نقدي وأعلاف، ومبلغ (20) مليون دينار دعم الوحدات الحكومية، ومبلغ (90) مليونا معالجات طبية ومثلها لدعم الجامعات الحكومية، ومبلغ (146) مليون دينار للمعونة النقدية المتكررة، ومبلغ (130) مليونا إعادة هيكلة الرواتب وتسديد التزامات سابقة بمبلغ (70) مليون دينار، فبأي بند من البنود أعلاه تستطيع لجنة مجلس النواب المالية التخفيض أو التعامل بما يتفق والترشيد الذي يطالب فيه الجميع، وكذلك الأمر بالنسبة للنفقات الرأسمالية التي يتعلق 50 % منها بثلاث وزارات هي التربية، الصحة والنقل والـ50 % الباقية رصدت لباقي الوزارات والوحدات الحكومية غير المستقلة.


باستعراض بنود هذه النفقات، يتضح أنها تتعلق بمشاريع مستمرة قيمتها (279) مليون دينار ومشاريع قيد التنفيذ بمبلغ (815) مليون دينار، أما المشاريع الجديدة فقد بلغ ما رصد لها مبلغ (331) مليون دينار، هنا قد يجد مجلس النواب نفسه أمام ضغط الشارع وقوى الشد المختلفة داخل المجلس مضطراً للتعامل مع بنود ذات علاقة بالمشاريع الجديدة بالتخفيض، مما يتناقض وخطة الحكومة في رفع حصة النفقات الرأسمالية من النفقات، خاصة في حزمتها الرابعة التي أعلنت عنها في الأسبوع الماضي، وكذلك قد يخفض المجلس نفقات دعم الجامعات والدعم النقدي أو المعالجات الطبية خاصة والحزمة الرابعة قد تحدثت عن التأمين الصحي الشامل.
المطلوب من الحكومة، وحتى بعد إقرار الموازنة من مجلس الأمة، أن تولي بند الرواتب الدراسة الكافية في الوحدات المستقلة وغير المستقلة لأن هذه الدراسة إذا أرادت حلاً حقيقياً لبند النفقات من جهة ولتحقيق العدالة بين أبناء الوظيفة العامة من جهة أخرى سواء كان ذلك يتعلق بالمكافآت المتعلقة باللجان التي شكلت عبئاً على العدالة وإمعاناً في التمييز بين أبناء الوحدة الواحدة في الوزارة أو خارجها وعمقت من أزمة الثقة ما بين الوطن والمواطن من جهة وما بين المواطنين أبناء الوظيفة العامة على وجه الخصوص.
أما النفقات العسكرية فهي بحاجة لتعزيز جاهزيتها وقدراتها بما يحقق مزيداً من الأمن والاستقرار داخلياً وخارجياً على الحدود التي تشهد لهيباً في أكثر من قطر عربي.
بلغت الإيرادات المحلية المقدرة البالغة للعام 2020 مبلغ (7754) مليون دينار والتي تعبر عن إقرار حكومي في صعوبة الوضع الاقتصادي المتمثل بعدم قدرته على ضخ إيرادات أكثر تتوافق مع النفقات العامة التي استعرضنا، فالتراجع في التحصيلات الضريبية للعام 2019 وقبل ذلك للعامين (2018 و2017) جعل الحكومة مضطرة للتعامل مع الإيرادات المقدرة بحذر شديد، ورغم ذلك أظهرت الموازنة بالمحصلة النهائية عجزاً مقداره (1247) مليون دينار بعد المنح ومبلغ (2055) مليارا قبل المنح، وبقراءة للإيرادات المحلية، نجد أن الإيرادات الضريبية بلغت (5651) مليون دينار، منها ضريبة مباشرة (دخل) بمبلغ (1267) مليون دينار وضرائب غير مباشرة (مبيعات وجمارك وملكية) بمبلغ (4384) مليونا، منها ضرائب على السلع والخدمات (3957) مليون دينار وضرائب جمارك (331) مليون دينار وضريبة الملكية (أراض) مبلغ (96) مليون دينار؛ حيث وصلت نسبة الإيرادات الضريبية الى الإيرادات الكلية (72.9 %)، أما ضريبة المبيعات والجمارك والأراضي فقد بلغت ما نسبته (77.6 %).
هذا العبء الضريبي الذي تضمنته الموازنة أصبح يهدد الاقتصاد الوطني برمته، بالإضافة الى عبئه الثقيل على المواطن؛ حيث أدى هذا الواقع الى رفع كلفة المنتج الأردني سواء كان صناعياً أو زراعياً أو خدمياً انعكاساً لارتفاع معدلات الضريبة على مدخلات الإنتاج وخضوعها الى معدلات مرتفعة بعد الإنتاج والتسويق عبر تاجر الجملة والمفرق، مما أضعف من قدرة هذا المنتج على المنافسة المحلية بعد أن فتحت الحكومات أسواقنا أمام السلع الأجنبية تنفيذاً لاتفاقيات وقعتها مع منظمة التجارة العالمية، وهذا الأمر انطبق أيضاً على عدم قدرة منافسة المنتج الأردني للسلع في الأسواق الخارجية، مما خفض من حجم التصدير بالمحصلة النهائية الذي أثر بدوره على ميزان التجارة وميزان المدفوعات وأسهم أيضاً في رفع نسب البطالة والفقر وما يسببان من أمراض اجتماعية وعنف شهده مجتمعنا بالعقدين الماضيين.
باستعراض سريع للنفقات الجارية من الناحية الاقتصادية، نجد أن تعويضات الموظفين من رواتب وأجور ومساهمات ضمان اجتماعي بلغت (4159) مليونا بمعدل (49.6 %) من النفقات الجارية، وبتحليل هذه النفقات نجد أن حصتها من النفقات الجارية في الجهاز المدني بلغت (1689) مليون دينار، منها (433) مليونا رواتب وأجور بمعدل (25.7 %) من هذه النفقات، وباقي النفقات تمثل مساهمات ضمان اجتماعي (159) مليونا و(67) مليونا لموظفين بعقود وباقي المبلغ بواقع (1030) مليونا علاوات، منها علاوة غلاء معيشة شخصية (346) مليونا أو علاوة إضافية بمبلغ (482) مليون دينار وعلاوات أخرى بمبلغ (49) مليونا ومكافآت موظفين بمبلغ (76) مليون دينار.
وعلى ضوء ما تقدم، فإن دراسة حقيقية لبند الرواتب ومشتقاتها قد تسهم في تخفيض النفقات التي تشكل العبء الأكبر فيها، بالإضافة الى ضرورة معالجة العبء الضريبي على المواطنين والمؤسسات على حد سواء كطريق واحد لحل مشاكل اقتصادنا بشكل عام، وهذا يتطلب فريقاً مؤمناً بأهمية العودة الى تغليب الضريبة المباشرة في بند الضرائب، بالإضافة الى تطويع قانون ضريبة المبيعات ليتوافق مع المادة (111) من الدستور من حيث فئات السلع والخدمات الخاضعة للنسب الضريبية وتصنيف السلع الخاضعة كسلع فاخرة نخب أول وسلع شعبية، بحيث يتم إخضاع السلع الشعبية الى نسبة الصفر والسلع الفاخرة الى معدلات عادلة تجعل من تحصيلات الخزينة من دخول الأغنياء أكثر نسبياً من تحصيلات الخزينة من دخول الطبقتين المتوسطة والفقيرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1851.71 0.32%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock