ثقافة

“مواعيد قرطبة”.. معان تستقر في أعماق النفس البشرية

أ.د. رازان إبراهيم*

عمان – تأتي رواية الدكتور وليد سيف “مواعيد قرطبة”، التي صدرت عن دار الأهلية للطباعة والنشر، عمان، في إطار مشروع كبير يعكف عليه الكاتب لإعادة كتابة عدد من أعماله المصورة الشهيرة في شكل روائي مقروء من دون تفريط بالحوارات البليغة المؤثرة التي تميزت بها أعمال سيف الدرامية.
وإذا كان الشائع تحويل الكثير من الأعمال الروائية الأدبية إلى سينمائية وتلفازية مصورة، دون أن يصرف ذلك عن الأصل المقروء، فإن الدكتور وليد سيف يعكس الاتجاه في هذا المشروع، بتحويله العمل الدرامي المصور إلى الشكل الروائي المقروء، يعينه على ذلك أنه ارتقى بأعماله الدرامية إلى مستويات أدبية رفيعة من حيث اللغة والمعالجة الفنية والفكرية. وعلى الرغم من الجوامع المشتركة بين السرد الدرامي والسرد الروائي، فإن كلا منهما ينفرد بشروط ومقتضيات خاصة.
يلعب السرد في الرواية بصوت الراوي دورا أساسيا في الوصف الداخلي والخارجي، وفي استبطان عوالم الشخصيات وأبعادها الصراعية المركبة وتحولاتها الإنسانية من خلال تفاعلها مع الظروف المحيطة، ويفسح مجالا واسعا لخيال القارئ ونشاطه التأويلي، بحيث تنفتح الرواية على مستويات مختلفة من التلقي والتذوق الجمالي والتأملات الفكرية في الشرط الإنساني بعامة.
حظيت بقراءة الرواية في أثناء إعدادها للنشر، وأستطيع التأكيد أنه على الرغم من مشاهدتي للعمل الدرامي “ربيع قرطبة” الذائع الصيت والذي بنيت عليه الرواية، فقد استمتعت بالقراءة بشغف كبير، ورغبة طاغية في متابعة القراءة المشوقة حتى النهاية. فلغة السرد باهرة في بلاغتها الأسلوبية ومعانيها التي تنفذ إلى أعماق النفس البشرية في صراعاتها ونزعاتها المتضاربة، حتى ليحار القارئ في الحكم عليها بين الإعجاب والرفض، وبين الإدانة والتماس المعاذير.
الرواية ملحمة إنسانية تاريخية تدور حول رحلة الفتى محمد بن أبي عامر، من ريف الجزيرة الخضراء في جنوب الأندلس، إلى قرطبة، ثم صعوده المتدرج من أوساط العامة والبسطاء إلى قمة السلطان، حيث تلتبس الحدود بين الطموحات العظيمة والأطماع القاتلة والبطولات والطغيان، والدهاء الممدوح والدهاء المذوم، والقوة والبطش، والحزم والاستبداد، والغايات النبيلة، والوسائل المريبة، والعشق المستحيل والصراع المرير على السلطان. ومن خلال ذلك تثير الرواية عددا من الأسئلة الإنسانية التي تتخطى حدود الزمان والمكان: ما دور الإرادة والمواهب والخطوط في تقرير المصائر؟ هل تسلم الغايات النبيلة من أثر الوسائل المريبة؟ هل تسوغ الانتصارات الماجدة على العدو الخارجي تحول البطل إلى مستبد داخل بلده؟ كيف تتغير نظرة الإنسان ومواقفه بتغير موقعه من السلطة؟ وكيف تفرض السلطة شروطها المسبقة على من يتوصل إليها، فتصنعه بقدر ما يصنعها، حتى يدفع ثمن صعوده وتمكنه من روحه ومبادئه وغاياته الأولى. هل ثمة مستبد عادل حقا؟ أم أن طبائع الاستبداد تتناقض بالضرورة مع مبدأ العدالة، وتذهب بالإنجازات العظيمة في آخر المطاف، ثم تخلق فراغا ينذر بمصير قاتم للأمة، بعد ذهاب الرجل القوي الذي انفرد بالسلطان، ولم يترك حوله إلا الضعفاء والمنافقين؟
هل يكون التغيير الحقيقي المنشود من الأعلى أم من القاعدة؟ كيف يمكن أن يتصادم الحب العميق المقيم مع المصالح المتضاربة دون أن يفضي ذلك إلى انحسار الحب ولا إلى تراضي الصراع بين الحبيبين؟
وكالعادة في كل أعماله، يبرز الكاتب دورا مهما للمرأة الذكية القادرة التي يكون عليها أن تقاوم بعقلها وإرادتها نداء عواطفها المتدفقة الصادقة، بقدر مقاومتها للحاجز الاجتماعي الثقافي الذي يفصلها عن الحيز العام الذي يمتلكه الرجال، لتنتصف لحقها وحق ولدها الخليفة الصبي الذي عطله الحاجب ابن أبي عامر الذي غدا الملك المنصور، واستبد دونه بالسلطان، وهو الرجل نفسه الذي أحبته حبا لا نظير له. فلا حبه المستمر صرفها عن مقاومة استبداده، ولا مقاومته والتدبير عليه صرفاها عن حبه! ولكن الظرف الاجتماعي يبقى منحازا لخصمها الحبيب الذي لم يغلبها أخيرا بتفوق مواهبه عليها، ولكن لأنها كانت تحارب من حيزها الخاص وراء الجدار المضروب عليها، بينما كان يحارب في الحيز العام الذي لا تستطيع اختراقه، وهكذا تتحول إلى شخصية تراجيدية من طراز فريد.
تتركك الرواية حائرا تتأمل في الشرط الإنساني والاجتماعي، وتحاور نفسك وعالمك، وقد توزعت مشاعرك بين الإعجاب بقوة الإرادة وبين ازدراء السلطة الغاشمة التي تشوه الروح، وتنتهي بالبطل وحيدا مستوحشا في الذروة التي لا تتسع لغيره، وإذ به أيضا شخصية تراجيدية حائرة محيرة.
تجمع الرواية على نحو فريد جديد بين عناصر الدراما الشعرية الشيكسبيرية وعناصر الرواية الكلاسيكية بلغتها وبلاغتها ومضامينها الإنسانية الفلسفية، فلا أبالغ إذ أقول: إنها ترقى إلى مستوى الآثار الأدبية الإنسانية الفذة التي استقرت في التراث الأدبي الإنساني في وجدان القراء وأذهانهم عبر الأجيال المتعاقبة.
ويذكر أن الدكتور وليد سيف مفكر وباحث أكاديمي، وُلد في مدينة طولكرم 1948، حصل على دكتوراه في اللغويات من جامعة لندن، أستاذ اللسانيات والصوتيات في الجامعة الأردنية، مدير دائرة تطوير المواد التعليمية والإنتاج في جامعة القدس المفتوحة، أستاذ زائر في جامعة جورج تاون، واشنطن، من الأعمال الدرامية والتلفزيونية “الخنساء، عروة بن الورد، جبل الصوان، طرفة بن العبد، بيوت في مكة، ملحمة الحب والرحيل، الصعود إلى القمة، صلاح الدين الأيوبي، صقر قريش، ربيع قرطبة، التغريبة الفلسطينية، ملوك الطوائف، عمر بن الخطاب”.
حصل على العديد من الجوائز منها :جائزة عرار، رابطة الكتاب الأردنيين. جائزة غالب هلسا للإبداع الثقافي، رابطة الكتاب الأردنيين، جائزة أفضل كاتب دراما في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون، لأربع سنوات متوالية، عن أعماله: “صلاح الدين الأيوبي، صقر قريش، ربيع قرطبة، التغريبة الفلسطينية”، جائزة الدولة التقديرية عن حقل (الدراما)، الأردن، الجائزة التقديرية من اتحاد الإذاعات العربية، جامعة الدول العربية، عن “التغريبة الفلسطينية”.
صدر له في مجال الشعر:”قصائد في زمن الفتح”، “وشم على ذراع خضرة”، “تغريبة بني فلسطين”.

  • أستاذة النقد الأدبي الحديث
    في جامعة البترا
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock