أفكار ومواقف

مواقف المسؤولين السابقين

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن تقاعس المسؤولين السابقين عن الحديث حول القضايا العامة. ولكن يبدو أن هناك نظرة ضيقة من قبل البعض مفادها أن حديث المسؤولين السابقين يجب أن يقتصر على المديح والدفاع عن كل المواقف الحكومية بغض النظر عن رأيهم فيها، وأن كل من لا يفعل ذلك جاحدٌ أو طالبُ منصب.
صحيح أن رجال ونساء الدولة، ولا أحد يذكر النساء بالمناسبة، تجمعت لديهم خبرة توجب عليهم بالتالي المساهمة في النقاشات العامة. لكن تسفيه الموضوع بالمطالبة أن تكون آراء المسؤولين السابقين نسخا كربونية محصورة بالتسحيج، فيه فهم مغلوط لدور من خدم في الدولة، وإنكار للخبرة المتراكمة التي اكتسبوها أثناء وجودهم في الحكم والتي قد تؤدي إلى تطوير بعض مواقفهم، ومساهمة خطيرة لوأد الحياة السياسية في البلاد وإبقائها دون تطور ذات معنى. إن مثل هذه المطالبات الساذجة لا تخدم الدولة ولا تخدم المجتمع.
يعاير الكثيرون من أصحاب هذه المدرسة الموغلة في ضحالتها كل مسؤول سابق لديه رأي مختلف بقلة المعلومات لديه أو لديها، متجاهلين أن الدولة هي المسؤولة عن غياب المعلومة، ولا تستطيع أن تطالب بالدفاع عن المواقف الحكومية في غياب تقديم المعلومة. في هذا تقصير في حق الناس بالحصول على المعلومة، وتجن كبير على الرأي الحر، وهو ليس خدمة لا لجلالة الملك ولا للدولة بأسرها. لا يعيب من خدم بكل شرف في الدولة أن تكون له أو لها آراء مخالفة، ومن حق صانع القرار أن تقدم له آراء متعددة. هذا من أبجديات الحياة السياسية في أي مجتمع، وهي أبجديات لا زالت للأسف غائبة عن الكثير من المسؤولين لدينا. فمن الطبيعي في كل بلاد العالم، إلا نحن، أن تتبدل أدوار المعارضة والموالاة بتبدل الحكومات.
الدولة الأردنية قادرة على استيعاب كافة الآراء، وبدون تعددية الرأي لن نصل لمراجعات حقيقية ولا لتصحيح الأخطاء ولا لتقدم الدولة. الأصل أن يتم وضع كافة القناعات على الطاولة، ولتكن الغلبة للحجة والمنطق، أما الدفاع الأعمى فقد تجاوزه الزمن. نحن لسنا ولا يجب أن نكون دولة شمولية لا مجال فيها للرأي والرأي الآخر، لأن البعض يريدنا كذلك، وهو ليس مقبولا، فالأردن يستحق منا أكثر بكثير من ذلك. هناك ثابت واحد يلتف حوله جميع الأردنيين وهو جلالة الملك، وبغير الوقوف صفا واحدا ضد بعض القضايا المصيرية التي تهدد وجودنا جميعا كصفقة القرن مثلا، ينبغي أن يترك المجال مفتوحا لكافة الآراء دون تهديد ولا تخوين.
لقد رأينا ماذا حل بالدول الشمولية التي تكمّم الأفواه، بينما كانت لدينا دائما مساحة من الحرية تفوق الكثير من جيراننا. هذه المساحة مقدسة ويجب توسعتها ضمانة لمستقبل أفضل لبلدنا، وليس التضييق عليها بحجة تقوية الدولة، وما كان التضييق إلا سببا في زيادة الاحتقان وبالتالي إضعاف للدولة.
يذهب البعض إلى اتهام كل صاحب رأي مخالف بأنه يريد منصبا. هذا تسفيه للرأي يصور الأردنيين جميعهم أنهم طلاب مناصب. الحمد لله أن هناك الكثيرين ممن قلوبهم على بلدهم لا عيونهم على أي مناصب حكومية. ومن ناحية شخصية، فإنني أشارك العديد ممن يعتقدون أن واجبهم نحو بلدهم ومليكهم قول كلمة الحق كما يرونها. أما دفن الرؤوس في الرمال والدفاع الأعمى والتغاضي عن الحقائق فلا يمتّ للواجب بصلة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock