أفكار ومواقف

موت السياسة

ذهبت المبادرة الفرنسية مع الريح، وهي المبادرة الوحيدة التي طرحت خلال آخر خمس سنوات حول الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية. وآفاق الحل السياسي للأزمة السورية مغلقة، ولا جديد غير تلك المناكفات بين العواصم. والأمر يتكرر بصور أكثر خيبة وقسوة في اليمن وليبيا، بينما استعصاء المجتمعي والديمقراطي يصل في هذا الوقت مداه.
هذه واحدة من أكثر اللحظات إبهاما في تاريخ المنطقة التي تدور بأكملها حول نفسها وسط الدخان والدم، ووسط إفلاس سياسي غير مسبوق، وحالة استعصاء على التغيير لم يشهدها جزء آخر من العالم؛ هل الديمقرطية تخون الناس في هذا الجزء من العالم، أم أن الناس يخذلون الديمقراطية حينما تستخدم أداة لإعادة إنتاج الصراعات والعنف، أم أن العالم يخون هذه المجتمعات؟ هل بالفعل لا حدود لصبر الشعوب في هذه المنطقة؟ وهل طبّعوا بالفعل مع كل هذا الموت والاقتتال والخراب والعبث.
خلال الأيام القريبة، سيجد دعاة الدولة المدنية أنفسهم بين خيارين أحلاهما مُرّ؛ فهذه الفئة العريضة تقف اليوم بين إرث النظم الاستبدادية القائمة والسابقة، وبين دعاة الدولة الدينية بتجاربهم المصبوغة بالدم والخيال المريض.
يذهب الناس، في مرحلة من مراحل القنوط واليأس، إلى الهروب الجماعي المؤقت من مواجهة المصير، ويرفضون الاشتباك مع الوقائع. وأهم أشكال هذا الهروب المؤقت يبدو في الانسحاب من الاهتمام بالشأن العام، والشعور بالغربة عن الوقائع المحيطة والتطورات القريبة، فيما يتدثرون بالصبر ويتعللون بالمزيد من الصبر.
لكن الصبر السياسي الطويل يُدخل العامة إلى العمق، وتصبح التفاصيل في صلب الأولويات، ما يغير مضامين الوعي الاجتماعي. في هذه اللحظة، أي حينما تصل العامة إلى التفاصيل، تتغير حتما قواعد اللعبة، ولا يعود بالإمكان تمرير التصنيع السياسي للنخب والمواقف، ولا قبول مبررات الأزمات الاقتصادية الاجتماعية والسياسية، ولا إعادة إنتاج الوظائف التقليدية للدول والمؤسسات والجماعات.
ثمة طبقات من الثقافة المناوئة للتغيير حفرت عميقا في بُنى المجتمعات العربية، صاغتها علاقات القوة والخوف والمصالح والخسائر على مدى ثلاثة أجيال. في المقابل، هناك فراغ ثقافي في الجهة الأخرى، بعد أن تم تفريغ الطاقة الحية وتقزيم رموزها وتشويهها تارة، أو إجبار هذه الرموز على العزلة والتوبة عن الحياة.
حائرون لا نملك إجابات واضحة لأسئلة الناس؛ وهو ما يتكرر في هذا الوقت حول ما يحدث في العراق وسورية وليبيا واليمن وغيرها، بين حدود المعركة والمقاومة وحدود الحرابة وقطع الطريق والتطبيع مع القتل، حيث فوضى المعرفة أوسع وأكثر قسوة من فوضى مشهد المعركة. فالناس لا يملكون إجابات للأسئلة التي تتردد في ضمائرهم، ولا يستطيعون تحديد مواقف مستقلة، لأنهم باختصار افتقدوا، ومنذ قرون عديدة، المعايير والقدرة على إنتاج القيم الكبرى وتجديدها. مما يفسر جانبا من حالة العزلة والهروب والصمت والصبر، ولا ندري هل هو صبر حقيقي أم صبر زائف.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock