أفكار ومواقف

موجة الانتفاضات الثانية في الوطن العربي

نشهد الآن الموجة الثانية من الانتفاضات في الوطن العربي، والتي باتت تشمل كلا من اليمن وليبيا وسورية، الأساس فيها كلها واحد، حتى تلك البلدان النفطية، وهو التكوين الاقتصادي الذي فرض مركزة الثروة وتهميش كتلة واسعة من الطبقات الاجتماعية. والحراك متشابه كذلك، حيث تندفع هذه الطبقات للتعبير عن ذاتها في مواجهة النظم من خلال مظاهرات شعبية، طابعها العام شبابي. ورغم القمع تفرض جرأة الشباب وقوة الشعب تحقيق التغيير، حيث تتفكك القوة القمعية للسلطة.
في ليبيا واليمن وسورية، واجهت الانتفاضة رداً عنيفاً من قبل الأنظمة، حيث أصبحت القوة العارية هي التي تحكم التعامل مع انتفاضات سلمية، وبدا أن الصراع يتجه إلى منحى دموي. ففي ليبيا، ظهر أن نظام القذافي قد أسس فرقاً “أمنية” مسلحة بأحدث الأسلحة، وهي مكونة من مرتزقة أو من فئات باتت ترتبط مصلحياً بالنظام، ولهذا كانت في لُحمة كاملة معه. وفي اليمن، ظهر بأن النظام كذلك أسس فرقاً مرتبطة مصلحياً بالنظام. ورغم انشقاق قطاعات من الجيش، إلا أن النظام ظل يمتلك القوة القادرة على استمراره إلى الآن. وفي سورية، يظهر إلى الآن أن هناك قوة متماسكة ملتحمة بالنظام هي التي تمارس القمع، رغم أن الأمور تبدو في أولها، ولم يظهر أي رد فعل من قبل قطاعات الجيش الأساسية مثلما حدث في ليبيا أو حتى اليمن.
وسنلمس بأن هذه القوى العسكرية تحت سيطرة “عائلية”، وقد تشكلت خصيصاً للدفاع عن السلطة وليس لأي شيء آخر.
لقد عمل كل من زين العابدين بن علي وحسني مبارك على تأسيس قوة خاصة للدفاع عن السلطة، لكنها لم تستطع الدفاع كما حدث في تونس (البوليس السياسي والأمن الرئاسي)، وهزمت أمام الشعب كما في مصر، رغم أن القوة العسكرية هنا والتي كانت قد بنيت للدفاع عن النظام وقفت في النهاية ضده (الحرس الجمهوري). ولهذا كان “انحياز” قيادة الجيش إلى جانب الشعب قد أفضى إلى سقوط الرئيس، والبدء في تغيير في النظام. لكن في الموجة الثانية بدا واضحاً بأن الجيش أو فرقا أساسية فيه هي في تماسك شديد مع النظام، وأنها باتت تدافع عنه بعنف لا مثيل له. فقد حوّل القذافي الصراع إلى حرب حقيقية بين شعب أعزل سلمي وجيش يمتلك أحدث الأسلحة، وقام بمجازر أفضت إلى تدخل إمبريالي، رغم أن الولايات المتحدة كانت تماطل في التدخل وتدفع لأن ينتصر العقيد. لقد توضّح بأن العقيد يمكن أن يدمر الشعب، فـ”الشعب الذي لا يحبه لا يستحق الحياة” كما قال.
وفي اليمن ظهر بأن كتلة مهمة من الجيش ملتصقة بالرئيس، وهي تخضع لقيادة أبنائه وأخوته. وبالتالي ماتزال تدافع عن النظام، فلم تجر التحوّل الذي يقود إلى رحيل الرئيس. وهذا الوضع هو الذي يفرض الاستعصاء اليمني إلى الآن، رغم الضغوطات الإقليمية والدولية. وسيبدو هنا كذلك بأن الولايات المتحدة لا تريد رحيل علي عبدالله صالح، ولهذا تقدّم الدعم له، فهو الذي فتح لجيوشها أبواب اليمن بحجة محاربة تنظيم القاعدة، والذي توضّح بأنه اختراع النظام ذاته. ولأن الشعب يقاتل سلمياً، وينتظر أن يسقط النظام كما الثمرة الناضجة، يستمر الاستعصاء، رغم رفض كل أحزاب المعارضة والقبائل وكل الشعب له. لكنه أيضاً يمتلك بعض شعبية يحاول أن “يهوّش” بها، ربما كان منطلقها قبليا أكثر من أي انتماء آخر.
وفي سورية، ماتزال القوة هي التي تواجه الشعب، وما يساعد إلى الآن هو أن الحراك الشعبي لم يصل إلى كل قطاعات المجتمع، ليس لأنها مع النظام بل لأنها إما خائفة أو متخوفة. ولسوف تبقى السلطة قادرة على القمع  إلى أن تتحرك كل قطاعات المجتمع، حينها لن تفيد القوة، وربما نعود إلى الحل التونسي/ المصري. في ليبيا القوة العسكرية المنضبطة هائلة قياساً لشعب لا يتجاوز عدده الخمسة ملايين شخص وفي مساحة هائلة الاتساع، وتفيد فيها الأسلحة المتطورة، أما في سورية فمهما كانت القوة المتماسكة لن تستطيع قهر الشعب.
إذن، في الموجة الثانية من الانتفاضات أصبحنا في مواجهة العنف العاري، الذي مايزال يمنع انتصار الثورات هنا. لكن التأخير ممكن، فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock