السلايدر الرئيسيصحافة عبرية

موجز تاريخ الاحتلال في رواية “نحطم الصمت”

هآرتس

اليكس ليبك وجدعون ليفي 11/1/2019

شاحنتان لشركة “غواتا للنقل والرافعات” تسلقت هذا الأسبوع وهي تحمل كرفانات صاعدة في اتجاه بيت ايل. سيارة شرطة رافقتها وبعدها كان جيب عسكري. “الحذر. حمولة زائدة” كتب على الشاحنة الناقلة كإشارة. منذ البداية لم يكن شيء بالصدفة في اقامة المستوطنات وصورة انتشارها. الخرائط تتحدث: كل مدن الضفة الغربية باستثناء جنين محاطة من كل الجهات بالمستوطنات. وهو مشروع بدأ بعودة حفنة من المتطرفين إلى الخليل، إلى غوش عتسيون وبيت السبعة في بيت حنينا، وهذه العملية تسارعت بسرعة على ضوء الفكرة الصهيونية القديمة التي تقول إن توطين اليهود يخترق كل حدود السيادة.
منظمة “نحطم الصمت” تريد الآن رسم هذه العملية من بدايتها حتى الآن: منذ تأسيسها في 2004 ارسل اعضاؤها مئات الجولات إلى الخليل وجنوب جبل الخليل، وشارك فيها كل سنة 5 آلاف إسرائيلي واجنبي. لم يرجع أحد منهم غير مبال من حي الاشباح ومن الترانسفير، من بلاد المغرب التي اقتلع سكانها. وفي وقت قريب ستطلق المنظمة جولة جديدة في وسط الضفة، التي ستشرح تاريخ الاحتلال منذ بدايتها حتى أيامنا. المسؤول عن تخطيط الجولة هو يهودا شاؤول، من مؤسسي “نحطم الصمت”، والذي كان في السابق رجلا اصوليا وجنديا مقاتلا. شاؤول (36 سنة) عمل خلال سنة ونصف على هذا المسار، وعلى كتابة التوجيهات واعداد الخرائط. لذلك قرأ 40 كتابا عن المستوطنات وبحث في الارشيفات. شرحه خلال تعرجات الشارع ممتاز.
هو موضوعي وغزير المعرفة وبعيد عن الشعارات وعلى ثقة وثيقة ويركز على الحقائق ويصوغ كلامه جيدا بالعبرية والانجليزية. خطة الجولة استمرت سبع ساعات: يوم في رام الله، من موديعين عيليت حتى بيت عهد التميمي في النبي صالح. من خطة الون في 1967 وحتى شوارع “نسيج الحياة” المخصصة للفلسطينيين. خلال الجولة تتضح الصورة تماما: اهداف الاحتلال حددت فورا بعد حرب الأيام الستة. كل حكومات إسرائيل دون استثناء عملت على تحقيقها.
اساس خطة المستوطنات كانت منع اقامة كيان فلسطيني بين البحر والنهر، بواسطة تقطيع الضفة وتجزأتها إلى شظايا من قطع الاراضي، الطرق تغيرت والهدف بقي على حاله، واضح ومحدد: سيطرة إسرائيلية إلى الأبد. ليس المتطرفون اليمينيون هم الذين طبقوها، بل أعماق قلب إسرائيل: وكالات سلطتها، بدعم جهاز القضاء والإعلام، في الطريق إلى المليون مستوطن، المليون الأول، كل الطرق كانت مباحة.
الآن الهدف الرئيسي هو تطوير البنى التحتية: الشوارع السريعة والمنفصلة، الطرق الالتفافية والمضللة، الانفاق والمفترقات، وهذه أكثر مصيرية من 10 آلاف مستوطن. هي تمكن كل مستوطن من العيش في أمن نسبي، لا يرى الفلسطينيين ولا يسمع عن وجودهم، السكن بسعر رخيص وأن يصل بسرعة إلى عمله في إسرائيل. هذا هو السر الذي مكن 650 ألف إسرائيلي من خرق القانون الدولي والعدالة الطبيعية والسكن في مناطق الاحتلال والشعور بالرضى عن النفس. بضع عظمات يرميها كل مرة الاحتلال لمن قام باحتلالهم بحيث تمكنهم من مواصلة حياتهم تحت الحذاء دون معارضة أكثر من اللازم.
هذا بدأ في شرقي القدس، التي تم ضمها مع القرى الـ 28 وحي محيطة بها. وعلى الفور بدأ فيها مشروع الاستيطان الذي استهدف تحقيق تواصل جغرافي إلى جيوب جبل المشارف، وتوسيع حدود “أحياء هلفيان”. عندما بدأ الحديث عن القدس كعاصمة لفلسطين اقيمت الاحياء التي هدفت إلى فصل المدينة عن الضفة الغربية: خطة الون، التي لم يصادق عليها في أي يوم بصورة رسمية لكنها نفذت بشكل جيد، استهدفت فصل الضفة عن الأردن بواسطة شارعين: شارع الغور وطريق ألون، واقامة مستوطنات ومواقع تدريب على طول الشارعين.
بعد حرب 1973 عندما بدأت في الظهور شكوك في اوساط الآباء المؤسسين لحركة الاستيطان، أعضاء حركة العمل، تم انشاء حركة غوش ايمونيم لتشكل لهم البديل. منطقة الخليل والقدس امتلأت بالمستوطنين، وبعدها توجهوا لمنطقة نابلس. شمعون بيرس ساهم في انشاء عوفرا عن طريق التحايل، وفي اعقابها جاءت المستوطنات الاخرى.
في 1977 حدث الانقلاب وتم تعيين اريئيل شارون وزيرا للزراعة: الآن ارادوا محو الخط الاخضر في الغرب وانشاء ممرات على عرض الضفة من اجل تقسيمها. مرة اخرى الحديث لم يكن عن افكار متطرفين، بل عن سياسة راسخة ومخططة لحكومات إسرائيل من اجل تخليد سيطرة إسرائيل على ارجاء المناطق المحتلة ومنع استقلال فلسطيني، حتى قبل طرح حل الدولتين.
اراضي المستوطنات تم الحصول عليها بعدة طرق، جميعها مخادعة، منها المصادرات “للاغراض العامة”، بالاساس في شرقي القدس ومعاليه ادوميم. بعد ذلك جاء “وضع اليد لاغراض عسكرية”، في الوقت الذي كانت فيه الدولة تضلل المحكمة وتدعي أن المستوطنات تخدم اغراض مدنية. إلى أن جاءت قضية الون موريه في المحكمة العليا في 1979، حيث وضعت حد لهذه الخدعة.
لم يكن امام الدولة خيار سوى اختراع خدعة جديدة: الإعلان عن “اراضي دولة”، التي تحولت إلى الصندوق الغني القادم للمستوطنين. وهو مناورة اخرى استندت إلى قانون عثماني قديم بحسبه الأراضي غير المزروعة يمكن مصادرتها. ليس عبثا أن معظم المستوطنات تقع على قمم الجبال والتلال: هناك اراضي قفر تصعب فلاحتها وتسهل سرقتها.
في التسعينيات افادت أيضا اتفاقات اوسلو الخطة الرئيسية الكبرى: تقسيم المنطقة إلى قطع صغيرة. جيوب ابرتهايد، والتي تسمى أيضا بنتوستانات في اوساط الفلسطينيين. 82 في المائة من المناطق المحتلة بقيت تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، لكن التجديد الاساسي من الاتفاقات ومن الانتفاضة هو شق الشوارع الالتفافية، الاختراع القادم للاحتلال.
حسب المرشد شاؤول هذا هو التطور الاهم بعد اوسلو. النضال انتقل من المستوطنات إلى البنى التحتية، يجب منع المستوطنين من الحركة في شوارع خطيرة ومعادية، التي ليست لهم، وتقديم اجابة افضل لهم بحيث لا يسافروا إلى بيوتهم عبر مخيمات اللاجئين في الدهيشة وعايدة. فقط بهذه الطريقة يمكن مضاعفة عددهم بثلاثة اضعاف في السنوات القادمة.
في هذه الشوارع نحن ننتقل على طول الضفة. الآن نحن نقف قرب وادي الحرامية، شارع 60 القديم يتقاطع مع شارع 60 الجديد، شارع عابر رام الله، ومثله عشرات الشوارع التي مكنت المستوطنين من مضاعفة عددهم بثلاثة اضعاف. لافتة موجودة على الشارع كتب عليها “مارلو، مطعم ومقهى في شيلو”. الطريق إلى مارلو لم يعد يمر عبر سنجل. “هذا يعيش” كتب على سيارة “بيرا كورونا” ربما تشق طريقها إلى هناك.
صحن الاقمار الصناعية “الدش” مرفوع والرياح الباردة تضربه بوحشية، نحن نطل على منطقة البؤر الاستيطانية التي تقع حول شيلو. هذه البؤر الاستيطانية ولدت في نهاية التسعينيات، والمشهد لا يصدق حتى لمن يعرف المناطق. هو يقنع أكثر من ألف مقال. هكارون، بلغيماين، هيوفال، ايش كوديش، عدي عاد، هروعيه وكيدا، هذه هي أسماء غير مؤقتة بصورة واضحة لمستوطنات غير مؤقتة بشكل واضح. بين عيلي وشيلا كل التلال مزروعة بالكرفانات. لا توجد تلة من غير بؤرة استيطانية. أيضا السهل مزروع بها في معظمه.
خط متواصل من اريئيل وحتى سلسلة البؤر الاستيطانية هذه مخصص لتقطيع الضفة هنا أيضا. الهدف مرة اخرى هو منع قيام كيان اجنبي. لقتل الطفل الذي لم يولد. حل الدولتين الذي يتحدث العالم وإسرائيل عنه منذ عقدين. صحن الاقمار الصناعية الذي سحبنا المرشد اليه في ظل الرياح الباردة، الصورة واضحة وقاطعة. هكذا أيضا تم منع اصحاب الاراضي الفلسطينيين من الوصول إلى اراضيهم وفلاحتها بسبب البؤر الاستيطانية وتعسف سكانها – هكذا كان يمكن سلبها منهم بسهولة أكبر. قانون التسوية، الصرخة الاخيرة التي جاءت من بيت الاحتلال، ستشرعن أيضا البؤر الاستيطانية.
في القرى الفلسطينية المجاورة التي نواصل طريقنا اليها، عدد من السكان ما زالوا يريدون اثبات أن الحياة تسير كالمعتاد رغم كل شيء: من بينهم أيضا باسم التميمي، والد عهد، الذي استضافنا في بيته في النبي صالح. عهد نهضت في وقت متأخر في ذلك اليوم وانضمت الينا وهي حافية القدمين وتتثاءب. لقد انهت امتحانات الثانوية والآن هي تخطط للسفر إلى لندن مع والدها باسم لبضعة اشهر من اجل تعلم الانجليزية بمساعدة منحة حصلت عليها.
مر نصف سنة تقريبا منذ اطلاق سراحها من السجن، هي تعبة قليلا من الانتشار الاعلامي لها. أيضا قريتها المناضلة مرهقة قليلا: منذ بدأ الجيش في اطلاق النار الحية على ارجل المتظاهرين توقفت مظاهرات يوم الجمعة – والاحتجاج يبحث عن وسائل اخرى.
“المقاومة لا يجب أن تكون معاناة”، قال لنا باسم في صالون بيته الذي تم ترميمه والذي يهدده أمر بالهدم. البيت رمم في الوقت الذي كانت فيه زوجته وابنته معتقلتين. إبنه وعد ما زال معتقلا. المرشد شاؤول قال إن عهدا لم تكن تشكل خطرا على إسرائيل لأنها عرضت أمن الدولة للخطر، بل لأنها عرضت الاحتلال للخطر. والاحتلال لم يكن قادرا على تحمل فلسطينيين يرفعون رؤوسهم.
بوابة حديدية بلون أصفر تغلق أحد مداخل قرية النبي صالح، مثل قرى كثيرة اخرى. أيضا هذه سياسة محسوبة: الاغلاق والتطويق وابقاء بوابة واحدة مفتوحة، طريق اجباري بلغة الاحتلال. البنية التحتية للسجن قائمة، خلال دقائق وتكون القرية محاصرة، لا أحد يدخل ولا أحد يخرج. أيضا التأثير النفسي المهدد واضح.
على بعد دقائق سفر من النبي صالح تقع أكبر المستوطنات، موديعين عيليت. 65 ألف مستوطن اصولي. الحريديون هم تطور مثير للانطباع في تاريخ مشروع الاستيطان: نصف الزيادة في عدد المستوطنين منذ اوسلو يتكون من الأصوليين.
20 في المائة من المستوطنين يعيشون الآن في مستوطنتين، بيتار عيليت وموديعين عيليت، وهما قريبتان من الخط الأخضر، هذا كان الحل لمشكلة السكن لهذا القطاع، الذي ابتعد طوال سنوات عن المواقف الوطنية واليمينية. الآن أيضا هم هناك. منذ ذلك الحين، وكما يبدو إلى الأبد.
في نهاية اليوم وقفنا فوق الفتحة التي هي شارع الفصل للفلسطينيين، من جيب قرية بدو وبيت سوريك وقطنة باتجاه رام الله. من فوق الفتحة سافرت السيارات الإسرائيلية في شارع 443، الشارع الرئيسي للعاصمة، دون أن يستطيع السائقون رؤية الشارع الذي تحتهم، والمسور من كل الاتجاهات بالاسلاك الشائكة والجدران الحديدية.
الإسرائيليون في الشارع السريع من أعلى والفلسطينيون عبر فتحة تحت الأرض في الأسفل، في صورة تساوي ألف كلمة. “نسيج حياة”، هكذا تسمي إسرائيل شوارع الفصل هذه. يبدو عمل لذوي النوايا الحسنة، فعليا تطوير آخر للابرتهايد.
الفصل قائم أيضا على بعد مئات الامتار في جفعون الجديدة، هناك بيت عائلة غريّب، محاط من كل الجهات بالجدران، الكاميرات وبوابة كهربائية. هنا الاحتلال يتجسد بشكله القبيح: عائلة فلسطينية فصلت عن قريتها وبقيت تعيش في هذا القفص، في قلب مستوطنة جفعون الجديدة، الذي اصدرت المحكمة حكمها بأنه “ضرر متناسب”. الفتحة والقفص، شارع 443 وجفعون الجديدة، الضرر المتناسب و”شوارع نسيج الحياة”. بين هذه الحدود انتهت الجولة الممتعة التي تثير الافكار الصعبة والاكتئاب في مناطق الابرتهايد. كان الوقت متأخرا بعد الظهر في يوم ماطر وعاصف، والأفكار التي طرحت خلال اليوم سترافقنا لفترة طويلة.

مقالات ذات صلة

عاجل

"الغد" تنشر تعديلات قانونية النواب على العفو العام
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock