صحافة عبرية

موسكو الرابح الأكبر من الهجوم التركي

معاريف

*عومر دوستري

قرار نظام الأسد مساعدة القوات الكردية ضد غزو الجيش التركي ومعاونيه، “الجيش الوطني السوري”، الى شمال شرق سورية، كفيل بأن يغير قواعد اللعب في اثناء القتال التركي. معقول الافتراض بأن قرار نظام الاسد لم يتخذ في عملية اتخاذ قرارات مستقلة في دمشق، بل في ضوء مبادرة روسية. والدليل على ذلك جاء مع التصريحات الاخيرة التي انطلقت من الكرملين في أن على تركيا أن تحترم السيادة السورية.
تركيا، التي اعتقدت بأن اخراج القوات العسكرية الاميركية من شمال شرق سورية سيمنحها قدرة وصول حرة لاحتلال شمال سورية، ملزمة الآن بأن تعيد الحسابات في خطواتها المستقبلية. شيء واحد هو أن تهاجم قوات كردية بلا اسناد، وشيء آخر ان تهاجم هذه القوات وهي مسنودة بجيش نظام الاسد وبشكل غير مباشر بروسيا.
من الآن فصاعدا كل هجوم تركي ضد قوات نظام الاسد سيعتبر كهجوم على موسكو. الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي اتخذ في السنوات الاخيرة سياسة تقارب مع روسيا، حتى عندما ينطوي الامر على مخاطرة بعلاقات تركيا مع اميركا، في شكل شراء منظومات الدفاع الجوي اس 400 من روسيا – لن يسارع الى هجر العلاقات الوثيقة التي عمل عليها بكد.
سيتعين على الرئيس التركي الآن ان يقرر بين امكانيتين: ان يتخلى عن الحملة العسكرية ويكتفي بالانجازات التي تحققت حتى الان، في شكل احتلال تل أبيض وراس العين؛ ام يواصل الحملة العسكرية بمشاركة “الجيش الوطني السوري” فقط. وكون روسيا ستساند جيش نظام الاسد، يمكن الاستنتاج بانه حتى لو اختار اردوغان مواصلة الاعمال العسكرية من خلال الثوار، فان احتمالات ان تحقق تركيا نجاحا في مثل هذه الحملة متدنية جدا، ولا سيما اذا كان يدور الحديث عن احتلال منبج – التي انتقلت لتوها الى سيطرة الروس. يحتمل أن تنجح حتى القوات الكردية، بتشجيع من الاسناد الروسي، في أن تستعيد اراض احتلها الاتراك.
وهكذا فان الرابحة الاكبر من بدء الحملة العسكرية التركية في سورية هي موسكو. فقد وفرت الخطوة التركية على الروس جملة من المخططات والوسائل الدبلوماسية والعسكرية لان تحقق في المستقبل سيطرة سورية مرة اخرى على القسم الكردي في سورية. ان المستفيد الاول من ذلك هو نظام الاسد. منذ الان، دون اطلاق رصاصة واحدة استعاد نظام الاسد عشرات في المئة من الاراضي التي فقدها في الحرب الاهلية، ادخل قوات كردية في جيشه، ضمن ولاء كردي في المستقبل وقلص التطلعات القومية الاستقلالية الكردية في سورية.
روسيا نفسها زادت بشكل كبير سيطرتها في سورية. الخطوة التالية من ناحية موسكو كفيلة بأن تكون محاولات الوساطة بين تركيا والقوى الكردية وجيش نظام الاسد. وهكذا ستزيد روسيا مكانتها في العالم واستقرارها كلاعب قوي يشارك في السياقات الهامة في الساحة الدولية. كل هذا في الوقت الذي تفقد فيه الولايات المتحدة أكثر فأكثر نفوذها في المنطقة طوعا. اضافة الى ذلك، نجحت روسيا في أن تجلب الى صالحها ثقل وزن تأييد القوات الكردية، على حساب دول الغرب والولايات المتحدة، إذ ان الاكراد يرون فيها الآن لاعبا وحيدا نجاهم من التطهير العرقي.
يجب أن يضاف الى ذلك نجاح روسي آخر في سياستها لزرع الخلافات والصدامات في داخل الناتو. الاحداث الاخيرة عمقت فقط التوتر الذي ساد بين ادارة ترامب ودول الناتو في مسألة توزيع نزيه للعبء العسكري. كما ان التوتر الذي نشأ بين الدول الغربية والولايات المتحدة – بما في ذلك فرض العقوبات الاقتصادية الاميركية على تركيا، وبين أنقرة، اضاف الى الانشقاق داخل الناتو.

*باحث في معهد القدس للاستراتيجية والامن

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock