أفكار ومواقف

موسم “النهش” بدرويش!

أمس كتبت عن «تجليات» سليم بركات في حق الشاعر الراحل محمود درويش. «كشوفات» بركات أثارت جدلا واسعا في العالم الأدبي العربي، ولم تتوقف حتى اللحظة.
لكن، يبدو أن الوقت الراهن يشكل موسما مناسبا للنهش في سيرة الشاعر الراحل، فما إن ظهر مقال بركات في القدس العربي، حتى سارع العراقي المطبّع نجم والي إلى القفز خطوات واسعة في النهش بدرويش، وكأنه لمح الباب مفتوحا على مصراعيه ليقول ما يشاء.
عن طريق صفحة الصديق الشاعر فخري رطروط على موقع «فيسبوك»، تنبهت إلى ما كتبه نجم والي الذي يعلن «سرًا» آخر، وهو أن محمود درويش كان مثليا، لكنه، وككل المثليين العرب، كان يخفي ميوله تلك، ويتستر عليها!
يستعير والي مقاطع من مقالة سليم بركات للتدليل على تلك «الميول». لكن، ولأن والي يريد أن يهدم «الصنم المقدس» حسب تعبيره عن درويش، فهو لا يتورع عن قذف الاتهامات بكل اتجاه، حتى لو حشد «إثباتات» سخيفة، من مثل أن درويش في مرحلته الأولى لم يتغزل سوى بالمرأة اليهودية «ريتا»، أو «ريتا السلطة»، كما يطيب للكاتب العراقي أن يطلق عليها، وكأنّ المطلوب من الشاعر أن يحبّ ألف امرأة، ويدبج فيهن آلاف القصائد!
الفريّة الكبيرة عن المثلية لم تكن الوحيدة التي أخرجها «الحاوي العراقي» من كيسه، بل تعدى ذلك نحو اتهام درويش بأن شعره يخلو من ثيمة الحرية، فيقول: «كانت مقولات الحرية لا تعنيه، فأنا لم أعرف عنه إنه دافع عن شاعر سجين، أو كتب ضد الدكتاتورية. كلا على العكس، مقولات الحرية وغيرها تركها للآخرين يتحدثون عنها في شعره، وبقي هو منطويا على نفسه يتوسل بالتقرب من الدكتاتور – الفحل».
بهذا الوضوح وبهذا الحقد يكتب نجم والي، ليس من أجل أن يكشف مثلية درويش، حسب زعمه، بل لكي يحطم صورة الشاعر الذي كان من أكثر الشعراء ارتباطا بالمقاومة والحرية والنضال، وإدانة العسف والدكتاتورية. لكن المبدأ الذي يسير عليه والي، ومن قبله بركات، هو الهدم البطيء لصورة درويش، وتماما كما هو مبدأ جوزف غوبلز في اعتماد منهجية الكذب المستمر، فبالتالي سيعلق جزء من تلك المقولات في ذهن بعضهم.
بالنسبة إلى هؤلاء، ليس يعنيهم صورته الإنسانية، بل صورته كمبدع وأديب ما يزال يتربع على قمة المشهد العربي، وبحضور عالمي أيضا. لكنهم يلجأون إلى تلطيخ سمعته الشخصية للنيل من مكانته الأدبية.
عند الكتابة «العسفية» أو الملتوية، يستطيع الشخص وضع النتيجة منذ البداية، ليبدأ بعد ذلك بحشد الشواهد لإثبات النتيجة عنوة، حتى لو كان كل ما يورده ترّهات وأكاذيب، وليّ عنق النصوص بتفسيرات لا تمت للحقيقة بصلة، فالمهم دائما النتيجة التي نحب أن نضع لها ديكورا خاصا، سوف نحمّله بالتأكيد جزءا من أمراضنا وأوهامنا!
لذلك، لا بأس من القول إن درويش شاعر يمقت الحرية، ويتقرب من الدكتاتورية، لكن والي لم يقل لنا عن «رحلته النضالية إلى قلب العدو»، حين زار الكيان المسخ، وتبرّك بكل فعل عنصري يقترفه بحق أصحاب الأرض الشرعيين.
بودي لو أضع رابطا هنا لمقال الصديق الشاعر الفلسطيني مراد السوداني، الذي أورده فخري رطروط في إدراجه أيضا، لكي يقرأه الجميع، وهو المقال الذي قارن فيه بين زيارة الكاتب الياباني هاروكي موراكامي لكيان الاحتلال، وكيف أنه ألقى خطابا في حضور قادة الاحتلال، انحاز فيه إلى الفلسطيني، وأدان إجرام الاحتلال، وبين زيارة والي الذي كان مستلبا، ليس للتقدم العلمي أو التكنولوجي الذي يمكن أن يبهر الأبصار أحيانا، بل لعقد النقص العديدة التي من الممكن أن تحتل العربي، حتى من «فصيلة المثقفين» الذين لم يستطيعوا بناء حصانة حقيقية ضد الدعاية الصهيونية!
في كل مرة يسقط فيها عربي في فخ التطبيع، نحزن كثيرا، ونتمنى لو أننا نعيده إلى الصف من جديد. لكن، أحيانا لا نشعر بأي شيء تجاه بعض من انغمسوا في الوحل، وأداروا الظهر لأبناء جلدتهم.. لا لشيء مهم، سوى أننا لا نريدهم بيننا.
هذا هو نجم والي الذي ينتقد عدم انحياز درويش إلى الحرية، ويحاول التأسيس لقراءة جديدة للشاعر العربي الكبير، يكون هو السبّاق إليها. لا أجد ما أضيفه فعلا، سوى استعارة اسم ديوان الصديق الشاعر حسين جلعاد.. «العالي يُصلبُ دائما»!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock