حياتنافنون

موسيقى الراب: ما أسباب زيادة شعبيتها في العالم العربي؟

تنتشر موسيقى “الراب” بصورة ملفتة في البلدان العربية منذ سنوات، ورغم أن هذا النوع من الموسيقى لم يجد في البداية ترحيباً واسعاً إلا أن الوضع تغير واجتذب جمهورا جديدا من خارج حلقة مستمعيه المعتادين.

ويرجع هذا الانتشار إلى عوامل عدة، أهمّها مواكبة هذا النوع من الموسيقى للظروف الاجتماعية والسياسية الراهنة وتعبيره عنها.

نعرض هنا بعضاً من التجارب العربية التي استطاعت الوصول إلى جمهور أوسع.

بدايات صعبة

كان من البديهي أن تحمل موسيقى الراب العربي في كلام أغنياتها مضموناً اجتماعياً وسياسياً، فتقديم مثل هذا المضمون هو ما ميّز نجوم هذا الفن في الولايات مثل أيس تي، أيس تيوب، تو باك وغيرهم في الثمانينيات وحتى نهاية التسعينيات، وعبّر هؤلاء عن ظروف سياسية واجتماعية عايشوها في مناطق غالبية سكّانها من أصول أفريقية.

حاول فنانو الراب العربي التعبير بدورهم عن قضاياهم. لكنهم وجدوا صعوبة في إقناع جمهور جديد بها، واستقطاب اهتمام إعلامي يساهم في ترويج أعمالهم . كذلك لم تهتم شركات الإنتاج بهذا النوع من الموسيقى، ولا تزال تهمله.

ولم تكن وسائل التواصل الاجتماعي حينها أداة يمكن الاعتماد عليها لنشر الإنتاج الموسيقي المستقل عن السوق التجارية. لذا ظل مُعظم فنانو الراب العرب، يعتمدون على الإنتاج الذاتي المستقل.

يقول منتج ومؤدي الراب، الفلسطيني “أسلوب” لبي بي سي:

“لم يكن سهلاً إقناع الناس بالاستماع إلى الراب، كانت بالنسبة لهم موسيقى غريبة”.

“أهلا فيك بالمخيمات”

“أسلوب” أحد أعضاء ومؤسسي فرقة “كتيبة 5″، وهي الفرقة الفلسطينية التي انطلقت من لبنان وتضم خمسة شبّان. تحدثت أغاني الفرقة عن تفاصيل الحياة اليومية في مخيمات اللاجئين في لبنان، عن المشاكل التي يواجهونها وحروب غزّة والعراق وسوريا.

وقد وجدت هذه الفرقة صدىً واهتماماً في أوساط متابعي أو مناصري القضايا التي ساندتها الفرقة، ولم يقتصر مستمعوها على جمهور موسيقى الراب.

وبالإضافة إلى مضمون الأغنيات، وتطويع اللغة واللهجة الفلسطينية مع الإيقاع، لعبت الموسيقى دوراً في إقناع آذان غير معتادة عليها.

ويقول “أسلوب”: “كان الوصول إلى الناس هدفاً رئيسياً، كنا نبذل جهداً في اختيار العينات الموسيقية”.

في 2008 أصدرت فرقة “كتيبة 5” أول إصدارتها بعنوان “أهلا فيك في المخيمات”. وتوقفت الفرقة عن الإنتاج بعد سفر جميع أعضائها إلى أوروبا.

وعمل “أسلوب مع زوجته عازفة الفلوت نيسم جلال وموسيقيين فرنسيين على مشروع حمل اسم “الآخرين” وعلى مشاريع موسيقية أخرى آخرها ألبوم “دواير”. وانتقل بتجربته الجديدة إلى مضمون جديد يحاكي حياته الجديدة في فرنسا.

يقول “أسلوب” إنّ التجربة الجديدة والمكان الجديد يفرضان تلقائياً تغييراً في مضمون الكلام. فقد انتقل للكلام عن الهجرة، عن العنصرية وعن تجربته الشخصية في فرنسا بعد مغادرته لبنان، “لا مجال لعدم الاصطدام بالسياسة، لأن الموقف الاجتماعي يدفعك إلى الموقف السياسي”.

تجارب لبنانية

شهد لبنان ظهور أكثر من فرقة في أواسط التسعينيات، مثل “عكس السير” و”قطاع بيروت” بعد سنوات قليلة على إعلان إنهاء حالة الحرب الأهلية.

ولعلّ أحد أبرز التجارب اللبنانية كانت فرقة “الطفّار” مع إصدارها الأول عام 2009. والطفّار في القاموس اللبناني هم المطلوبون قضائياً لأسباب جنائية والمتوارون عن الأنظار.

وبمساندة من “كتيبة 5” أيضاً، انطلقت الفرقة المؤلفة من شابين: جعفر وناصر الدين، يغنيان بلهجتهما المحلية، لهجة منطقة البقاع في لبنان.

وكانت جديدة من حيث المضمون السياسي المباشر والأكثر جرأة في طرح موضوعات عدة في الداخل اللبناني. مثل الكلام عن مواجهة دائمة بين السلطة و”أبناء المناطق المحرومة”، أو ذكر سلوك القوى الأمنية في هذه المناطق والدعوة إلى التمرّد.

يمكنك أن تسمع أغاني “الطفّار” تخرج من حافلة عامة صغيرة تعمل بين العاصمة والبقاع، أو في مقهى ثقافي في بيروت أو في سيارة يستقلها شباب ليس بالضرورة أن يكونوا من محبي موسيقى “الراب”.

يرى جعفر، أحد أعضاء الفرقة، أن سبب التفاعل مع الفرقة يعود إلى وصف الواقع الذي يعيشه الناس وأنغام الموسيقى الشعبية التي مزجها “أسلوب” مع الإيقاع.

يقول جعفر ل”بي بي سي”: “قد أعدّل اليوم في بعض الكلمات أو في بعض المواقف التي تناولناها سابقاً، كنا أحياناً نعلقّ على أفعال معيّنة من دولة لا نراها إلّا في صورة عناصر الجيش”.

“الرأس”

اعتمد مازن السيّد الملقّب بـ “الرأس” منذ بدايته نمطاً موسيقياً مختلفاً، بالتعاون مع المنتج والمصمّم جواد نوفل “مونما” في إصداره الأول “كشف المحجوب” عام 2012.

لا يكتفي السيّد بالجوانب السياسية والاجتماعية للمشكلة، بل يخوض من خلال كلماته في تجربة الفرد الإنسانية من خلال وصفه للأحداث. ولا تقتصر أغانيه على شؤون ومشاكل في لبنان أو في مدينته طرابلس، ففي أغنية واحدة يمكن أن ترى الهموم العربية وكأنها همّاً واحداً. وهو يعتمد اللغة العربية الفصحى في كثير من أغنياته.

يقول “الرأس” في لقاء مع برنامج بي بي سي إكسترا إنه لا يضع نفسه في “هوية ضيقة” لبنانية، ويتناول في إصداره “بعد الهزيمة” عام 2018، ما وصفه بالهزائم في أكثر من بلد عربي بعد انتفاضات عام 2011.

“الراب” يرافق الاحتجاجات الشعبية

أصدر “الرأس” أغنيتين تزامناً مع الاحتجاجات غير المسبوقة التي شهدها لبنان تشرين الأول/ أكتوبر 2019، هما “شوف” و “النّار”. وغنّى في أول عرض موسيقي في ساحة الاعتصام. حيث كان التفاعل مع أغانيه واضحا في الحفل وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

وتظهر في أغنية “النار” مشاهد للمتظاهرين والمتظاهرات ومحطات بارزة من الاحتجاجات بالإضافة إلى الشعور الناجم من المشاركة بأحداث كهذه، أحداث يختبرها مازن في الشارع أيضاً.

الأمر ذاته بالنسبة لجعفر الطفّار الذي شارك في الحفل ذاته في ساحة الاعتصام في بيروت وغنّى في ساحات التظاهر في مناطق أخرى خارج العاصمة، في تماس مباشر وشعبي مع موسيقى الراب.

كما شارك في حفل رأس السنة الذي أخذ طابعاً سياسياً ومطلبياً من ساحة الاعتصام في بيروت ونقل على شاشات المحطات التليفزيونية المحلية. وأصدر أغنية خاصة بالأحداث بعنوان “ممنوع” بالتعاون أيضاً مع “أسلوب”.

الراب يُقمع أحياناً

في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 اعتقل مغني الراب المغربي سيمو الكناوي بسبب أغنية “عاش الشعب”، وقد دفعت الضجة التي أثيرت حول الاعتقال المزيد من الناس للبحث عن الأغنية والاستماع إليها.

في سوريا، لم يكن ممكناً انتشار أغاني راب تحمل مضموناً سياسياً نقدياً قبل عام 2011 بسبب تشدد رقابة الدولة في التعامل مع الأعمال الفنية.، لذا خرج العديد من الأصوات السورية من لبنان بعد أن تركوا سوريا جراء الحرب؛ أمثال : الدرويش، بو كلثوم، جندي مجهول وآخرون.

في مصر أيضاً التي تحتضن عدداً كبيراً من مؤدي ومنتجي الراب، تشتد الرقابة على جميع أنواع الأعمال الفنية، ما يترك هامشاً ضئيلاً لفناني الراب للكلام في السياسة.

وتجدر الإشارة إلى أن التجارب المشتركة المستمرة العابرة للحدود بين فنانين سوريين وفلسطينيين ولبنانيين وأردنيين، وتوفر تقنيات تصوير الفيديو البسيطة ساهمت في زيادة رقعة انتشار أعمالهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
41 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock